ولكنهم كانوا يدعونه إلى كل جلسة تُدرس فيها دعوى مدنية لها صلة بالفقه. ولا تنقطع صلة الدعاوى المدنية (الحقوقية) أبدًا بالفقه، فكان يشارك في المناقشات ويؤخذ رأيه في الآراء، وكان الحكم يصدر حيث يكون رأيه، سمعت ذلك من كثير من أعضاء المحكمة فيما بعد، كما سمعته من رئيسها يومئذ وأنا صغير ولكني واعٍ مدرك، وكنت تلميذًا في آخر المرحلة الابتدائية.
وكان الرئيس هو الأستاذ مصباح محرّم، وهو قاضٍ كبير نسيه الناس كما نسوا من أمثاله الكثير، لأن مكانهم في أذهانهم امتلأ بأسماء المغنّين والممثّلين ولاعبي الكرة في الملعب واللاعبين بمصالح الأمم من السياسيين في المجالس والأحزاب.
وكنت أذهب من المدرسة أحيانًا إلى المحكمة لأرى أبي فأعود معه إلى الدار، فكان الرئيس يستدعيني إلى مكتبه ويسألني ويحاول أن يحدّثني، فكنت أتهيّبه أولًا فلا أتكلم، ثم لمّا طال العهد وتوالت الدعوات انطلق لساني، ويظهر (والله أعلم) أني كنت على شيء من الذكاء وسرعة البديهة، وكنت قد قرأت (ولعلّكم تعجبون إذ تسمعون أني قرأت في تلك السنّ) كتبًا كثيرة منها «حياة الحيوان» للدميري، وقد سبق ذكره، وكتبًا أدبية من كتب ما يدعونه عهد الانحطاط كـ «الكَشْكول» و «المِخْلاة» و «المستطرف» ، ولم أفهمه كله ولكني كنت أحفظ كل ما أقرأ، أقول هذا وقد قلته من قبلُ تحدُّثًا بنعمة الله عليّ، فكان في ذهني طائفة صالحة من الأخبار والأشعار.
فكان الرئيس يُسَرّ بي ويستنطقني، وكان يدعو أحيانًا بعض