وتمنيت أن أكون كاتبًا تملأ مقالاته الصحف، ومؤلّفًا تتصدر مصنفاته المكتبات، وخطيبًا ترتجّ من تحته المنابر ويملأ حديثه المجالس، فبلغتُ ذلك أو بعضَ ذلك (أو توهّمت أني بلغته) فإذا هو أيضًا سراب. تبصر السراب حينما تكون بعيدًا عنه تحسبه ماء، فإذا جئته لم تجده شيئًا ووجدت الله عنده.
فهل وعظَتني الأيام حتى صرت أذكر الله الباقي ولقاءه المحتوم عند رؤية السراب الخدّاع؟ لقد استقبلت وودّعت من الأعوام ثمانين معدودة عدًّا، فهل أودّع هذا العام الذي أستقبله اليوم أم هو استقبال بلا وداع؟ لقد فقدت أبي وأنا في مطلع الشباب واضطُررت إلى أن أكتسب قبل سنّ الاكتساب، وتعلّمت ودرست على ضيق الحال وقلّة الأسباب، وأكرمني الله فعلّمني وكفاني فما أحوجني أن أمدّ يدي يومًا إلى أحد ممن خلق الله. ودخلت سوق الأدب قبل أن تزدحم بالقُصّاد فكنت فيها من الرُّوّاد، وسار اسمي في الناس وأنا لم أخلع بعد رداء الشباب، وأغدق الله نِعَمه عليّ بلا حساب، فيا ربّ لك الحمد.
وكنت أرجو (كما يرجو كل شابّ) أن أتزوج، ولكن ليس في يدي ما أتزوج به من المال، فحملني الله إلى بغداد حيث جمعت منها ما قدرت به على الزواج. ورزقني النسل، ولكنه صنّفني في الصنف الأول: {يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لمَنْ يَشاءُ الذّكورَ، أو يُزَوّجُهمْ ذُكرانًا وإناثًا ويجعَلُ مَن يَشاءُ عَقيمًا} ، فسُررتُ بالبنات ورأيتهن من أجمل الهبات، وما أعدِل -صدّقوني- بواحدة منهن اثنين من الذكور لو رزقني الله ذكورًا. ولقد استأثر الله بإحداهن فأكرمها بالشهادة فصبرتُ ورضيت، وأرجو أن يرزقني الله ثواب