وكان الغد، وحبست مصر كلها أنفاسها ترقب ما يكون بعد انقضاء الإمهال الإنكليزي. وبلغت الساعة التاسعة، وهي ساعة الهول، فوقفَت أمام دار محافظة القناة سيارتان: سيارة تحمل موفد الإنكليز بالتهديد والوعيد، وسيارة تحمل الفرغلي ومعه نفر من الإخوان، جاء يعلن نصرته للحكومة رغم ما كان بين الحكومة وبين الإخوان في تلك الأيام. فلما رأى الإنكليزي الشيخ انطفأت الجمرة وسكت الغضب وذهب الوعيد، وأعلنوا أنهم وجدوا الطيار المفقود! وهذه واقعة يعرفها الناس جميعًا ما جئت بها من بنات الخيال. لقد كان الشيخ الفرغلي أعدى أعداء الإنكليز فكافأه عبد الناصر على ذلك بحبل المشنقة.
فيا عبد الناصر، جزاك الله بما تستحقّ.
لقد كانوا جميعًا من أئمة التقى ومصابيح الهدى، من الذين يقومون الليل يقطعونه تسبيحًا وقرآنًا ويجاهدون في النهار يملؤونه جهادًا وإحسانًا. والله يأمر بتكريم الصالحين، والعقل يقضي بإجلال العلماء، والمصلحة توجب تشجيع العالِمين، والإنكليز يريدون غير ذلك كله، فترك عبد الناصر ما يأمره به الله ويقضي به العقل وتوجبه المصلحة لِما يريده الإنكليز.
وأشهد لقد قرأتُ أخبار المشركين وتعذيبهم لمن آمن من قريش وما فعل أعداء الإسلام بالمسلمين من الطغاة الجبارين، كهولاكو وجنكيز، وما صنعت محاكم التفتيش في الأندلس، وما تصنع إسرائيل في فلسطين في دير ياسين وقبية ونحّالين [1] ،
(1) ولم تكن يومئذ مشكلة صبرا وشاتيلا ولا كانت جريمة شنق سيد قطب.