بالله- أوحش: وحوش الغاب أم بعض بني الإنسان الذين يدّعون أنهم من المتمدنين؟ وأيهما أسلم عاقبة وأقلّ خطرًا: صحبة البشر أم صحبة البقر والجمال والحمير والبغال؟
فدعوني أَجُبْ اليوم معكم في عالَم الوحوش والبهائم وفاء لبعضها ببعض ما قدّمَت إلينا؛ هذا الجمل لولاه ما استطاع العرب العيش في هذه الصحراء: فعليه ركوبهم، ومن شعره ووبره خيامهم، ومن لحمه ولبنه غذاؤهم، ومنه ومما يتصل به جاءت في العربية ألفاظ كثيرة اغتنى بها لسانهم، ولو أحصُيت هذه الألفاظ وشُرحت لجاءت منها رسالة جامعية ينال بها مؤلّفها أعلى الشهادات.
ولمّا ذهبت إلى كراتشي في مطلع رحلتي إلى المشرق التي سُقت لكم فيما مضى طرفًا منها رأيت سيد حيواناتها الجمل، لا الجمل الذي تعرفونه بل الجمل العظيم الذي هو أضخم من جمالنا جثة وأطول عنقًا وأعلى سنامًا، والعرب كانوا يعرفونه ويسمّونه «السّنْديّ» ومنه ومن الجمل العربي يولد نوع من الجمال يُسمّى البُخْتِيّ» (وجمعه البُخْت، وفي الحديث: كأسنمة البُخت) . والعجيب أنهم لا يضعون أحمالهم عليه بل يتخذونه للجرّ، يُعِدّون العربة التي تعدل في ضخامتها سيارة الشحن ويملؤونها ويربطون بها جملًا واحدًا، فيجرّها من غير انزعاج.
وهو على ضخامته أسرع من جمالنا، وهم يتخذون له في ركبتيه جلاجل وأجراسًا صغارًا، كلما خطا رنّت فاستطاب صوتَها. والجمل كما تعلمون (أو لا تعلمون، فلست أدري) حيوان موسيقي، لذلك يتخذون له مغنّيًا خاصًا يصحب القوافل