والأوقاف الخيريّة من أشرف معالم الحضارة الإسلامية: مالٌ مرصود لأعمال الخير، منفعته لكل واحد ولا يملكه أحد، القيّم عليه يجب أن يحفظه، ويجوز أن ينميه أو يزيد فيه ولكن يحرم عليه أن ينقص منه أو أن يفرّط به. وقف أجدادُنا الأموالَ الجِسام على كل عمل من أعمال الخير: على المساجد وعلى المدارس وعلى المشافي، وعلى أمور قد لا تخطر لأمثالنا على بال. هل سمعتم في الشام وقفًا للقطط الضالّة يُطعِمها ويسقيها؟ وللكلاب الشاردة المريضة يداويها ويؤويها؟ يُسمّي العامّة الأول «مدرسة القطاط» وهي في القيمرية الذي كان حيّ التجار في دمشق، والثاني في حيّ العمارة ويسمّونه اسمًا غريبًا هو «محكمة الكلاب» .
وقد روى ابن بطوطة في رحلته أنه رأى خادمًا صغيرة (وكلمة خادم تطلق على الذكر والأنثى) وهي تبكي، فسألها فقالت: أرسلتني سيدتي أشتري لها عسلًا فوقع الإناء فانكسر. قال: فجعلت أواسيها وأعطيها ما أقدر عليه لتشتري غيره، فمرّ بنا رجل عرف الخبر فقال لها: اجمعي أجزاءه وخذيه إلى ناظر الوقف يُعطِك ثمنه. ذلك أن أحد المحسنين وقف مبلغًا كبيرًا من المال لمثل هذه الحال [1] .
وأرجو أن يسامحني القراء لأنني خرجت عن خط هذه
(1) ما يلي هذه الفقرةَ مكرّرٌ بنصه وقد سبق نشره في الحلقة الخامسة والسبعين، وهو تتمة ما حذفته من آخر الحلقة الماضية، وقد حذفته من هنا أيضًا (مجاهد) .