مستباح ولا عورة مكشوفة، وما كان في جمهور أهلها إلاّ كل ديّن صيّن؟
ذكّرتَني ياسيدي المظاهرات أيام النضال للاستقلال، الذي شاركتُ فيه على ضعفي وعجزي بما قُدتُ من مظاهرات وما دعوت إليه من إضرابات. ما كنا ننادي بوجوب الإضراب أيام الفرنسيين حتى تغلق الدكاكين ويخرج الناس متظاهرين يعرّضون صدورهم لرصاص المستعمرين:
لا يسألونَ أخاهم حين يَندُبُهم ... في النّائباتِ على ما قالَ بُرهانا
وما خطبت وما كتبت في جريدة «فتى العرب» و «ألف باء» و «القبس» و «الأيام» و «اليوم» و «المنار» و «النصر» ، وجرائد غيرها نسيت حتى أسماءها. لقد كنت أخطب في المساجد وفي النوادي وفي الطرق وفي الساحات ... ولكن هذا كله ياسيدي قد ذهب، ما بقي منه شيء، وإن لم يكتب الله لي عليه شيئًا من الثواب لا أستحقّه بعملي فيا ضيعة أيامي.
يحسب ناسٌ أن الاستقلال قد جاءنا عفوًا بلا تعب، وأننا وجدنا يومًا مائدة مُعَدّة فقعدنا على كراسي مصفوفة من حولها ومن فوقها الزهر والورد وطبق مغطّى فتحناه فإذا فيه الاستقلال المطلوب! لقد نسي كثير منا ولم يدرِ كثير من ناشئتنا ما الذي دفعناه ثمنًا له، من دمائنا الزكية التي أريقت، ومن نفوسنا البريئة التي أُزهقت، ومن بيوتنا التي كانت جنّات تجري في صحونها المياه نوافير تشرح الصدر دكّوها بالمدافع دكًا فتركوها خرابًا.
فيا ليتنا، ياليت العرب كلهم، ياليت المسلمين جميعًا