فهرس الكتاب

الصفحة 2679 من 3178

آخن، وجعلت الآن أتأمل ما حولي وأستمتع بما أمرّ به من جميل المناظر. وكذلك تتغير الدنيا أمام الإنسان بتغيّر حالة نفسه، فكأنه يراها من خلال زجاج وضعه أمام عينه، فإن كان مبتئسًا كان زجاجًا أسود رأى الدنيا من خلاله سوداء، وإن كان مسرورًا أبصرها من خلال زجاج وردي فرآها مشرقة مزهرة. رأى لامارتين البحيرة لمّا كان مع إلفير بغير العين التي رآها بها لمّا عاد إليها وحده بعدما ماتت إلفير، فأنشد فيها قصيدته التي تُعَدّ رائعة في الأدب العاطفي الرومانسي، والتي ترجمها الزيات نثرًا وإلياس فيّاض شعرًا، فتصرّف في معانيها وعبّر عنها بخياله العربي فقال في مطلعها:

أهكذا تنقضي دومًا أمانينا

نطوي الحياةَ وليلُ الموتِ يطوينا

تَمضي بنا سُفُنُ الأيامِ ماخرةً

بحرَ الوجودِ ولا نُلقي مَراسينا

بل لعلّ الفيلسوفَ المتشائمَ تشاؤمُه لعلّة في جسده أو نكبة في معيشته. لو كان أبو العلاء المعرّي مبصرًا يرى الدنيا ويعيش كما يعيش الناس هل كان يقول هذه الأشعار؟ أوَلم يكن يختلف شعره لو كان له مثل جسد بشّار (وهو أعمى مثله) ومثل شهوته ومثل إقباله على طعامه وشرابه؟ لي رسالة عنوانها «في التحليل الأدبي» مطبوعة من خمس وخمسين سنة شرحت فيها أثر التكوين الجسدي والوضع الاجتماعي والحالة النفسية للأديب في أدبه [1] .

(1) انظر «مقالة في التحليل الأدبي» في كتاب «فِكَر ومباحث» (مجاهد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت