ومن ذكريات رمضان في أندونيسيا صورة لا تزال واضحة خطوطها، هي أني كنت -كما مرّ بكم- في الفندق الكبير جدًا في الجناح الفخم جدًا، ولكني كنت ضيق الصدر جدًا، أصوم ثم لا أجد على مائدة الإفطار ما آكله. لا لقلّة الطعام بل لأني لا أجد طعامًا أعرفه وآلفه، ثم إنه مملوء بهذه «الشَّطّة» التي تُلهِب الفم وتحرق الصدر. وقد أوصيتهم على طعام يُعِدّونه لي، فما أحسنوا إعداده ولا أسغت طعمه. في هذه الشدة سخّر الله لي اثنين كريمين، رجلين دبلوماسيَّين: سفير مصر الأستاذ العَمْروسي، والقائم بالأعمال السعودي الأستاذ عزّة الكُتْبي، ففتحا لي دارَيهما فعرفت كيف آكل، وأعرف الآن كيف أشكر.
ولمائدة الإفطار في رمضان سحر ولها فلسفة، هي أن الناس كلهم فيها كطلاب المدرسة الداخلية أو أبناء الأسرة الواحدة، حين يجتمعون على المائدة في وقت واحد، يأكلون طعامًا قد لا يكون واحدًا في نوعه ولكنه -بعد هذا الصيام- يكون واحدًا في لذّته.
والحديث عن ذكريات رمضان حديث طويل لا أكاد أفرغ منه إن أردت استيفاءه. إنها ذكريات ثمانين سنة، اتركوا من أولها خمسًا كنت فيها صغيرًا لم أكن أدرك ما حولي ولا أحفظ ذكريات ما أدرك في صدري، فهل ترونني أستطيع أن أجمع ذكريات ثلاثة أرباع القرن ثم ألخّصها ثم أحدّثكم حديثها؟
فما لا يُدرَك كله لا يُترَك قُلّه (أي قليله) .