سمع أن صفّ المصلّين يكون متماسكًا متداني الأكتاف والأقدام، حتى كاد ينفسخ وهو يدوس بإحدى قدميه على قدمي وبالأخرى على قدم جاري!
ودخلنا في الصلاة فكان في حركة مستمرّة، يسوّي عقاله، ويدخل إصبعه في أنفه ثم يمسحها بثوبه، ويُخرِج من جيبه خرقة سوداء لعله يعدّها منديلًا، فيقرّبها من فمه ويصنع فيها ما لا يحسن ذكره ووصفه، وسواكه في يده يُديره في فمه ثم يعصره بإصبعه ويتجشأ بصوت مُنكَر، وينظّف أذنه بإصبعه ... أي أنه لم يهدأ لحظة واحدة. وأنا أقول لكم الحقّ: إني لم أعرف كيف صلّيت. فلما قُضيَت الصلاة حاولت أن أفهمه بلطف أن النظافة من آداب المسجد وأن الخشوع من لوازم الصلاة، فلم يفهم، وقدّرت أنه لا يحسن العربية وظنّ أني أترفّع عنه لأنه -كما يقول- فقير ويردّد كلمة فقير، فتركته.
وكنت [1] يومًا خارجًا من داري في دمشق صباحًا مسرعًا إلى عملي في المحكمة، فما برزتُ من الباب وهممت أن أغلقه ورائي وأمضي حتى رأيت أمامي زائرًا جاء يزورني. وكان رجلًا كبير السنّ جليل القدر، ولم يكن يعتادني بالزيارة فلم أستطع أن أعتذر إليه، وخفت أن يُطيل فيفوّت عليّ موعدي، ثم قلت
(1) انظر مقالة «ثلاثة مشاهد من حياتنا» في كتاب «فصول اجتماعية» ، وقد نُشرت سنة 1961، وهي تضم هذا المشهد واللذين بعده (مجاهد) .