فهرس الكتاب

الصفحة 2631 من 3178

في أعزّ آماله وفقد أحبّ أمانيه إلى قلبه، وإن وقفتُ على معهد من معاهد الصغر أو ملعب من ملاعب الطفولة فتّشت في زواياه وأركانه، وتحسّست الحجارة من جدرانه، علّي أجد بينها ذكرى حلوة قد خبّأتُها يومًا ونسيتها.

ولذلك وقفت اليوم على المدرسة الجقمقية، ولكني لم أجد فيها ما أريد؛ لقد عدا سارقان على أحلى ذكرياتي فسرقاه في غَلَس الليل كما يسرق النبّاشون الذهب من قبور الفراعنة، ولم يدَعا لي إلاّ كل تافه حقير. فبماذا أُتحِف القرّاء بعد الذي صنعه معي هذان اللصان: الزمان والنسيان؟

هذه هي المدرسة التي أودعتُها عهد الطفولة وذكرياته العِذاب، لا تزال قائمة جدرانُها ماثلًا بنيانُها، وهذه هي الطرقات التي كنت أسلكها غاديًا عليها كل يوم، وهذا هو الأموي العظيم الذي كنا نعرج عليه بكرة وظهرًا وعشيًّا، وما بيننا وبينه إلاّ أن نخرج من باب المدرسة فندخله من بابه، والبابان متقابلان.

(إلى أن قلت) : هذا هو الأموي لا يزال على عظمته وجلاله، غير أن صورته في ناظري قد تبدّلت وامّحَت روعتها وبطل سحرها. وماذا تصنع الجدران والسقوف إذا ذهبَت الوجوه ومضى الساكنون وتغيّرت الروح؟ لقد أضحى الأمويُّ غيرَ الأموي، فلا دروسه تلك الدروس ولا علماؤه أولئك العلماء ولا جوّه ذلك الجوّ. إن المدن كالأشخاص، تُخلَق كل يوم خَلْقًا جديدًا. لقد ماتت دمشق التي نشأنا فيها، دمشق الإسلامية المرحة الفاضلة التي لم يكن فيها ماخور مشهور ولا ميسر ظاهر ولا عورات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت