فيها، كما يصنع بالمسرحية مؤلفُها ومُخرِجها: يُعِدّ الأول النص، ويوزّع الثاني الأدوار، ويحفظ الممثّلون أدوارهم، وتجري التجارِب ليتوثّق المخرج من حسن الأداء، ثم يُرفَع الستار عن مسرحية أُعلنَ أنها جديدة لم يُكتَب لها نصّ ولم يُخرِجها مخرج، بل تجري على الطبيعة بتعاون حرّ ووحدة مخلصة، وبهذه الوحدة والحرّية يُضمَن النجاح.
ولكن الانتخابات يومئذ كانت تهزّ البلد هزًا، تدخل كل بيت وتكون أخبارها أحاديث الناس، وإن لم يخلُ أكثرها من تزوير. وأنا لم أفكّر فيها يومًا، وما كان لي في السياسة من أرب وما كنت من أربابها ولا سألت عن الطريق إلى بابها، لا أعني سياسة المبادئ والأهداف والاهتمام بأمر المسلمين والمشاركة في حدود الاستطاعة لإصلاح أحوالهم، فهذا واجب إسلاميّ، ولكن أعني سياسة النزاع على الكراسي والزحام على الحكم.
لمّا كانت هذه الانتخابات خطر لي خاطر مفاجئ (وأكثر ما اتخذت في عمري من قرارات كان آنيًّا مفاجئًا) فقلت لنفسي: إن الله أعطاني كل وسائل النجاح في النيابة، فأنا (ولا مؤاخذة إن قلت أنا ومدحت نفسي، فإني أقول حقًا) معروف في بلدي وفي كثير من البلاد العربية، ولي كما يقولون شعبية واسعة، وأعطاني الله لسانًا طليقًا وجرأة على مخاطبة الناس، ومعرفة بطرق إقناعهم ومقدرة على إثارة عواطفهم والوصول إلى قلوبهم، ومن وراء ذلك ثقافة إن لم تكن كاملة شاملة فليست قليلة ولا تافهة، واطّلاعًا على أوضاع الناس.