أمّا الوصية الواجبة فالكلام فيها طويل، وهو ماثل في ذهني لأني -من طول ما ناقشت فيها في مصر ثم في الشام- استقرّت فيه كأنها منقوشة نقشًا عليه. والدافع الذي دفعنا إلى اعتبار الوصية الواجبة أن الإسلام دين العدل ودين الحقّ، وأننا نرى رجلًا ساعده ولده الأكبر في عمله وشاركه في جمع ماله، فانصرف بذلك عن الدراسة وعن العلم لأنه كان مشغولًا بمساعدة أبيه وكان أبوه فقيرًا لا يملك أن ينفق عليه، فلما اغتنى الأب بمساعدة الولد وكبر أبناؤه الصغار أدخلهم المدارس والجامعات، فنشؤوا متعلّمين قادرين على الكسب حاملين الشهادات العالية، والولد الكبير لم يتعلّم علمًا ولم يحصّل شهادة، ثم قضى الله أن يموت الولد الكبير قبل أبيه وأن يترك أطفالًا صغارًا لا مال لهم ولا يرثون من جدهم الغني حين يموت جدهم، فهل من العدل أن يبقى هؤلاء فقراء؟
أنا لم أنازع في أنهم يستحقون المساعدة، ولكني كنت أجادل الشيخ فأقول له: لو أراد الشرع أن يورّثهم لقضى بتوريثهم، فهل نحن فيما نضع من قوانين مستمَدّة من الشرع أعدل من الذي أنزل الكتاب وبعث الرسول عليه الصلاة والسلام؟ وليس في الكتاب ولا في سنّة الرسول ما يوجب إعطاءهم. ثم رجعتُ إلى نفسي بعد هذه المناقشات الطويلة جدًا فشرح الله صدري لإقرار الوصية الواجبة في مشروع القانون، وقلت لنفسي: إن الشرع ندب الجدّ في هذه الحال بأن يوصي لأحفاده هؤلاء الذين مات أبوهم في حياته، والذين يسمّيهم الفقهاء «أولاد المحروم» . والمسلمون الأولون كانوا -لتمسّكهم بالدين- يكفيهم الندب ليقوموا بالعمل، ثم إن في بعض المذاهب الأربعة أن التركة لا