قال: إنه جاء دمشق من نحو أربعين سنة قبل أن تنشب نار الحرب الأولى، يوم كانت دمشق البلد الوادع الساكن وكانت في شبه عزلة، أقرب مدينة إليها بيروت، يصل إليها القطار ولكنه يُمضي بينهما وقتًا يزيد على ما تُمضيه الطيارة اليوم بالمسافرين من بيروت إلى لندن. ولقد أخذتُ أنا إخوتي إلى بيروت بهذا القطار فقضى بنا على الطريق إحدى عشرة ساعة، ولا يزيد ما بينها وبين دمشق عمّا بين مكة وجدّة إلاّ قليلًا! وهذا القطار باقٍ إلى اليوم، ولكنه لا يمشي إلاّ إلى الزبداني أو المصايف الشامية، وهو قطار أثري ما أظنّ أنه بقي مثله في الدنيا.
قال الوزير إنه وصل دمشق ولم يكن قد زارها من قبل وهو لا يعرف فيها أحدًا، فذهب إلى الجامع الأموي فزاره وزار قبور الفرسان الثلاثة: نور الدين وصلاح الدين والملك الظاهر، الذين طهّر الله بهم بلاد الشام من الصليبيين، الذين كانوا أكثرَ عددًا وأقوى قوة من الواغلين الغاصبين الذين أقاموا دولة إسرائيل، فلم يدُم لهم ملك ولم يستقرّ لهم قرار.
ودخل المكتبة الظاهرية وزار المدارس الأثرية، ثم أحب أن يرى البلد فاستأجر عربة (ولم تكن السيارات قد وصلت إليها) فمشت به العربة في طريق الصالحية الذي يجري فيه الترام، يستقبل جبل قاسيون يراه ماثلًا أمامه، في ذروته قبّة النصر التي كانت شعار دمشق وكانت لها كبرج إيفل في باريس، يُعرف قاسيون بها بين الجبال كما تُعرف ببرج إيفل باريس بين المدن. وإذا كان في الجبال الجميل والقبيح فقاسيون أجمل الجبال، هو