الاتباع وترك الابتداع في العقائد وفي أصول الدين لا في أمور الدنيا؛ فأمور الدنيا لنا، نأخذ منها كل حقّ وندع كل باطل ونتمسّك بكل نافع وننبذ كل ضارّ، جديدًا أم قديمًا، فما العبرة بالجِدّة ولا بالقِدَم. شرقيًا كان أم غربيًا، فالحقّ يُعرَف بأنه حقّ لا بالجهة التي جاء منها.
ولقد كان عندنا في الشام قديمًا مدارس للقرآن وللحديث ولفقه كل إمام من الأئمة الأربعة، ومدارس جامعة كالمدرسة العمرية التي أنشأها الشيخ أبو عمرابن قُدامة، أخو صاحب «المغني» . وآل قدامة هم الذين أقاموا حيّ الصالحية، وكان أول حي يُقام على سفح قاسيون. وفي كتابي «دمشق» المطبوع مرارًا فصل عن إنشاء حي الصالحية. وقد أُولِعتُ مرة بتتبّع أخبار هذه الأسرة فوجدت من نسائها العالِمات بضعًا وعشرين، كلهن كانت تُعَدّ إذا عُدّ مشايخ البلد. ثم فترت هِمّتي ووقفت عن العمل، وضاعت الأصول، وذهب الكتاب الذي كنت أنوي إصداره عن آل قدامة.
ومن عيوبي التي أعترف بها هنا (ولولا أن انتظار الأجل يسدّ عليّ طريق الأمل لطلبت دعوة منكم لخلاصي منها) من عيوبي أنني أمشي دائمًا مشي الأرنب في قصّة لافونتين لا مشي السلحفاة. فأنا أجمع قوّتي وأثب وثبة واحدة، فإما أن أصل وإما أن أقعد فلا أحاول بعدها؛ أي أنني على مذهب أبي فراس في بيته المشهور: «لنا الصدرُ دونَ العالَمين أو القبرُ» . ورُبّ بيت أضلّ وما هدى وأفسد وما أصلح، كقوله: «إذا مِتُّ ظمآنًا فلا نزَلَ القَطْرُ» ، وبيت المتنبي: «والظلمُ مِن شِيَمِ النفوسِ» ، وما صدق المتنبّي ولا برّ، فما الظلم من شيم النفوس ولكن العدل، لأن الله فطر النفوس