القطر، وانتعش كما ينتعش النبات أرواه الماء، ونشط كما ينشط الجمل أُطلِق من عقال؟
ألا يكون أحدكم مرخيّ الأعصاب خامل الجسد، قد خدّره النعاس حتى ما يقدر أن يفتح عينيه، فيعدو عليه عادٍ أو يطرقه لصّ، أو يحقره إنسان فيشعل الغضب في دمه نارًا ويشدّ من أعصابه أوتارًا، فيثب يريد أن يعلو الجدار أو أن يخوض النار؟ ألا يكون أحدكم تعبان كسلان، يجرّ قدميه من الوَنَى جرًّا يظنّ أنه سيسقط على الأرض، فيلحقه عدوّ فاجر أو يطارده وحش كاسر، فإذا هو ينطلق انطلاق القذيفة من فم المدفع ويعدو عدوَ الغزال المروَّع؟
هذه -يا أيها الناس- القوّةُ المدّخَرة في أعصاب الإنسان، يُظهِرها الأمل ويُبديها الغضب ويبعثها الخوف. وفي الأمم قوة كهذه القوة، وما الأمة إلاّ الأفراد. أفلا تحسّ إن غضبتَ أو فرحت أو جزعت أن نبضك يسرع، وقلبك يخفق، ووجهك يحمرّ أو يصفرّ، وجسدك كله يتبدّل ويتغيّر؟ فكذلك الأمم: تكون الأمّة نائمة آمنة قد غلب عليها الخمول وشملها الاسترخاء، فما هي إلا أن يبعث الله لها القائد العبقري، يصرخ فيها ينذرها خطرًا أو يحذّرها عدوًا أو يَعِدها نصرًا مؤزّرًا، حتى تثب كما يثب الجندي المستريح إلى سلاحه، فتعمل العجائب وتصنع المعجزات، وتدع التاريخ حائرًا من فعلها مشدوهًا. وهذه هي الأمثلة تملأ العصور وتُترِع صفحات التاريخ، الأمثلة من الشرق والغرب، من القديم والحديث، حيثما تلفّتّم وجدتم مثالًا.