خصومنا. وما أدري هل درسوها أم حكموا فيها من غير أن يستوفوا دراستها، لكن الذي أدريه أني لم أحزن لخسارتها كثيرًا، ولا أظنّ أن خصومنا فرحوا كثيرًا لربحها، لأنهم كانوا كالذي تدعوه إلى الإفطار في رمضان فتؤخّر الطعام حتى يأكل من جوعه خبزًا وزيتونًا، فإذا ملأ بذلك بطنه دعوته إلى المائدة عليها من كل ما لذّ وطاب، من الحارّ والبارد والحلو والحامض ... مائدة حافلة، ولكن ما الفائدة منها وقد امتلأت معدته وذهبت شهوته؟
لقد كانت هذه القضية دائمًا في ذهني وكانت قِيدَ بصري [1] فلم أكن أجعل للتطويل والتأجيل مجالًا في الدعاوى التي تُعرَض عليّ. إن كانت الدعوى بين المتقاضين أنفسهم لم أؤجّلها إلاّ إلى الغد، فإن طال التأجيل فإلى ما بعد الغد. وإن كانت بين المحامين جعلتُ أقصى حدّ للتأجيل خمسة أيام، والحدّ الذي لا حدّ بعده أسبوع. فإن احتجّ المحامي أن لديه دعاوى في محاكم أخرى قلت له: اطلب من تلك المحاكم أن تؤجّل النظر في دعاواك لأن من طبيعة قضايا الأحوال الشخصية أنها لا تحتمل طول التأجيل.
وكثيرًا ما كان أحد الطرفين يدّعي المرض ويبعث من يُبرِز تقريرًا طبيًا بما يدّعيه، فشكوت ذلك إلى الدكتور جَودة الكيال الذي كان أستاذنا في مكتب عنبر، فتعهّد أن يذهب كلما دعوتُه إلى دار المريض أو المتمارض، فيفحص عن أمره ويرى ما به، ولا يأخذ على ذلك أجرًا لا مني ولا من أصحاب القضية، بل يطلب الأجر من الله. وقد مضى الآن للقاء الله، وسيجد ما عمل
(1) «قيد» بكسر القاف.