الشيء يختلف باختلاف زاوية نظرك إليه. خذ قطعة من الورق وانظر إليها من الأمام، ترَ مستطيلًا واسعًا، فإن أبصرتها من طرفها رأيت خطًا دقيقًا. وذلك شيء مُشاهَد. هل ينظر الطلاّب إلى المدرّس والمستمعون إلى المحاضر كما ينظر هو إليهم؟
لمّا كنت محاميًا كان يُغيظني القاضي الذي أُلقي بين يديه مرافعة تعبتُ في إعدادها وحشدت الأدلة الشرعية والقانونية عليها، أو أقدّمها إليه مكتوبة، فيسمعها إن سمعها بطرف أذنه، ويقرؤها إن قرأها بزاوية عينه، ثم إذا صدر الحكم تبيّنتُ أنه لم يدقّقها أو لم يُحِط بها. وأشدُّ منه القاضي الذي يميل عن الحقّ ويلتزم جانب الخصم، فيردّ عليّ كأنه هو خصمي أو كأنه المحامي عن خصمي.
أمّا حكمي على المحامين وأنا قاضٍ من فوق قوس المحكمة فإني وجدت أن الدعوى التي لا محامي فيها ينطق فيها الخصمان غالبًا بما هو الحقّ، فإن حادوا عنه رددتهم إليه بأيسر جهد، لأن سواد الناس تغلب عليهم الفطرة ويسود قلوبَهم الصفاء، فإن مكروا فمكرهم غير عميق، وتُفصل الدعوى بعد جلستين أو ثلاث. فإن دخل المحاميان طوّلا الطريق ووعّرا السهل، هذا يُقيم صخرة يسدّ بها السبيل على خصمه وذاك يزيحها فيضعها حيث يسلك الخصم، فيطول أمد المحاكمة، وربما أضاع أحدهما الحقّ فخلطه بالباطل أو جعل الباطل حقًا والحقّ باطلًا.
وليس هذا حكمًا على المحامين جميعًا، فإن التعميم يلازمه الخطأ، وإن من المحامين من أعرفه لا يقبل الوكالة في دعوى حتى يتحقّق من صحّتها ومن صدق من يريد توكيله فيها. كان