فهرس الكتاب

الصفحة 2242 من 3178

لفي هذه الغمرة وإذا بي أسمع الأذان، أذانًا عربيًا فصيح اللهجة عذب الصوت، كأنه أذان دمشق، فشعرتُ به -أقسم بالله- يسري في نفسي سرَيان البُرْء في الأجساد المريضة والطرب في القلوب الوَلْهى، فيزيل الوحشة ويُذهِب الضيق.

فجعلت أفكّر في هذا النداء كيف خرج من قلب وادٍ بعيد بعيد في زمن بعيد بعيد، فما زال يطوي الأرض ويخوض البحار ويخرق الجبال، حتى وصل من بطن مكّة إلى شرقي جاوة، وما زال يطوي الزمان ويجزع القرون حتى جاء من القرن الأول للهجرة إلى القرن الرابع عشر، ولا يزال غضًا طريًا كأنما نادى به بلال يوم أمس، لا يقف [1] مسيرَه حدٌّ على الأرض ولا بُعدٌ في الزمان، ولا تنال منه الشُّقّة ولا يحفّ به النسيان، فهو أبدًا في كل مكان وفي كل زمان. فلا يكون المسلم غريبًا في بلد يسمع فيه هذا النداء: «الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أن محمدًا رسول الله» .

فرجعت إلى نفسي، وعاد إلى قلبي الاطمئنان واستشعرتُ الأمان، وقلت: هذا بلدي. وكل بلد يُسمَع فيه الأذان بلد كل مسلم. [2] .

(1) وقفه يقفه: فعل يتعدّى بنفسه، ولم يرد في اللغة لفظ «أوقفه» .

(2) بداية هذه الحلقة من الذكريات هي تتمة فصل «في جوكجا» الذي بدأ في الحلقة السابقة، وبعده إلى هنا منقول بتصرف من فصلَي «سورابايا» و «هذا النداء» ، وما يأتي من الحلقة إلى آخرها من فصلَي «كاراشيك» و «نزهة في أطراف سورابايا» ، وكلها في كتاب «صور من الشرق: في أندونيسيا» (مجاهد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت