يستريح عليه كل عضو من الأعضاء، فتمنيت أن أنام ساعتين أدفع ثمنهما ألفين، وكدت أُغفي من اللحظة التي لامس فيها رأسي وقلت: يفتّشون عني فلا يرونني فيمضون ويدعوني. ثم قلت لنفسي: لا يا ولد، اصبر وقم فإنك ما جئت من الشام إلى آخر جاوة، إلى سورابايا، لتنام بل لتعمل.
وقمت كالمحكوم يُساق إلى التنفيذ، وطالت الأسئلة تلك الليلة، ومضى هزيع من الليل ولم يعُد في طاقتي القيام على قدمي فاعتذرت وذهبت، وإذا هم يعتبون ويتألمون.
والقوم في أندونيسيا أرقّ الناس نفسًا وأرهفهم حسًا، لا يحتملون شدة ولا عنفًا. ولقد لُمتُ السائق مرّة على ذنب أذنبه ورفعت صوتي عليه فبقي أيامًا حزينًا. وما سمعت في أندونيسيا ضجّة أبدًا، فالشوارع تكاد تكون هادئة والكلام يكاد يكون همسًا، وما رأيت فيها «خناقة» .
والخناقات في الشوارع مقياس أعصاب الأمم؛ ففي بغداد تبدأ الخناقة فيكون للسبّ والشتم عشرون ثانية فقط ثم يكون سلّ الخناجر، وفي دمشق يستغرق السب دقيقتين ثم يكون اللطم واللكم وضرب الكراسي، وفي القاهرة يستمرّ السبّ والتهديد نصف ساعة ثم لا يكون شيء، وفي أندونيسيا لا يكون سبّ أبدًا، لأن لغتهم -كما بدا لي- خالية من ألفاظ السبّ!
وجلنا في سورابايا ورأينا كل شيء فيها فإذا آثار التخريب في كل مكان، لا سيما في العمارات الكبيرة التي خّربها الوطنيّون بأيديهم لئلاّ يتخذها المستعمرون معاقل لهم في هجومهم. وقد كانت