الإسلام» (وكانت يومئذ شبه حكومة مستقلّة أقامها ناس كانوا من الثوار، تُحكَم بشرع الله وتطبق أحكام الإسلام) ، ثم أخذنا ننحدر. وما بعد الصعود إلاّ النزول:
ما طارَ طيرٌ وارتفَعْ ... إلاّ كما طارَ وقَعْ
والطريق على حاله: غابات متصلة وخضرة متسلسلة، حتى بلغنا المساء مدينة الجهاد، مدينة العلم وعاصمة البلاد الروحية: جوكجا.
وأنا واثق أن أكثر القُرّاء لم يسمعوا بها. وأنا قد عشت نحوًا من خمسين سنة قبل أن أرحل تلك الرحلة وأنا لم أدرِ بها ولم يطرق سمعي اسمُها، بلدة في وسط جزيرة جاوة ليست في جِدّة جاكرتا وسعتها، ولا في كِبَر سورابايا وغناها، ولكنها تفضلهما بأنها كانت أعرق في المجد بالأمس وأنها أعرق بالعلم اليوم.
كانت بالأمس عاصمة مملكة متارام التي حكمت البلاد قرونًا طوالًا بدءًا من القرن العاشر الميلادي، وامتدّ سلطانها إلى شبه جزيرة الملايا (ماليزيا) ، وساقت على هولندا يومًا جيشًا فيه مئة ألف. مملكة تسلسل المُلك في ملوكها وسلاطينها دهرًا، من مؤسسها الأول إلى الملك الذي زرناه، وهو: همينكو بوانا (أي صاحب الدولة) السيد حامي ذمار الدين خليفة المسلمين سلطان ماترام السلطان عبد الرحمن العاشر. وهذه ألقابه الرسمية لم آتِ بها من عندي. كل هذه الألقاب له، ولكن ليس له حكم ولا تحت يده أرض يملكها!