هذه الساحة ساحة أخرى، وما شئت من ساحات مربعة وغرف محيطة به، وكل ساحة تُفضي إلى الأخرى. فإذا دخلتها ضعت فيها، فكأنك في قصور الجِنّ في حكايات ألف ليلة. وكان علينا إذا أردنا الطعام أن نجتاز ستّ ساحات ونمشي مثل ما بين الحرم المكّي وأجياد!
والعجيب أن جاوة أزحم بلاد الدنيا بالسكان، لا أعرف لها مثيلًا إلاّ باكستان الشرقية (التي صارت بنغلاديش) ، وكان فيها يوم زرناها ثلاثة وخمسون مليونًا من الناس في جزيرة لا تعادل ثلثَي الجمهورية السورية. وكان فيها أزمة سكن لا شبيه لها، وبيوتها -مع ذلك- من طبقة واحدة أو طبقتين.
وقد تفضّلَت علينا الحكومة الأندونيسية فأنزلَتنا ضيوفًا عليها، وربطَت بنا دليلًا موظفًا من وزارة الخارجية يتكلّم العربية كما نتكلمها نحن، لأنه درس في مصر ولأن زوجته مصرية، وجعلَت لنا سيارة. فأفسد هذا الدليل كل ما صنعَته وهدم كل الذي بَنَته؛ دعانا من أول يوم ليدوّرنا في البلد، ولم يكن الشيخ يمشي إلاّ إلى اجتماع فيه منفعة لقضية فلسطين التي جئنا من أجلها أو إلى عمل يفيدها، أما التفرج والتجوال والتمتّع والاطلاع فلا يباليه ولا يلتفت إليه. فذهبت مع الدليل وحدي فأراني البلدة كلها، وذهب بي إلى بنشة في طريق جبلي طويل بلغ الغاية في الجمال، وزاد عليها وأدخلني مطعمًا لم أستطع أن آكل من طعامه شيئًا وأكل هو كلّ شيء. ولمّا كان الحساب حلفت أنا فدفعت أجرة السيارة وثمن الطعام، وصار ذلك قانونًا لنا: يأتي هو بالسيارة ويختار هو المطعم، وينتقي أغلى الطعام فيأكل هو وأنظر أنا، فإذا جاء الدفع