لقد قطعت الكلام عن الرحلة في الحلقة 146 (التي صدرت يوم 11/ 4/1985) ، فهل لي اليوم أن أعود إليها بعدما نسيتموها؟ ومَن من القُرّاء الذي يتابع المقالات المتسلسلة ويعيها ويحفظها؟ على أنه إذا انقطع نظامها واضطرب قوامها، فلعلّي إن شاء الله أعيده حين تصدر الطبعة الثانية من كتابي «الذكريات» ، وقد صدر منه الآن جزءان وجزءان سرعان إن شاء الله ما يصدران [1] .
لقد كنت أوّل شامي أَمّ تلك البلاد وبلغ منها ما بلغتُ. وإذا لم أكن أول من زارها فأنا أوّل من كتب عنها وحدّث في الإذاعة فعرّف الناس بها، ولكن الذي حدّثت به قبل ربع قرن كامل وكان جديدًا على الناس صار الآن قديمًا. وهذه سنّة الله في الكون:
إنّ هذا القديمَ كانَ جديدًا ... وسيغدو هذا الجديدُ قديما
كان ما قلت وصفًا حيًا فصار الآن تاريخًا ماضيًا؛ تغيّرت البلاد بعدي، مات كثير ممّن كان فيها ووُلد كثير ممّن لم يكن، وذهب حكام وجاء حكام، فسبحان من يغيّر ولا يتغيّر.
وإذا كان الناس يومئذ قرؤوا ما كتبت أو سمعوه على أنه وصف أديب فاقرؤوه أنتم الآن على أنه تدوين مؤرّخ. وأرجو ألاّ يخلو في الحالَين من منفعة أو متعة، وأهون منافعه أن يملأ وقتكم عن المعاصي والآثام، والنجاة من الإثم نصف الطريق إلى الفوز بالثواب.
(1) وقد صدرا وبعدهما الخامس، وهذا هو السادس بحمد الله.