ونحن مجموعة من المشايخ إلى وزير المعارف الإقليمي (أي وزير الإقليم الشمالي أيام الوحدة) ، وكان صديقنا الشاعر البليغ، الذي عرفته صغيرًا فكان نابغة ألمعيًا، وعرفته كبيرًا فكان أديبًا عبقريًا، هو الأستاذ أمجد الطرابلسي.
فقلت له (فيما قلت) : كنّا نراجع في مثل هذا المكان المندوب (أي مندوب المفوّض السامي) الفرنسي أو مَن أقامه المندوب ليفكّر برأسه وينطق بلسانه ويحقّق له ما يريد، وإنني لأزدري نفسي إذا كنت سأقول لأمجد الطرابلسي ما كنت أقوله لذلك الفرنسي أو لمن يمثّل الفرنسي.
لقد وجدنا من أمجد ومن غيره من إخوتنا الاستجابة والتأييد، ولكنهم لم يكونوا يملكون من الأمر إلاّ أقلّه.
لمّا سمعنا نبأ الثورة في مصر وانقضاء عهد فاروق الذي كانت تصل إلينا أخباره تفوح منها رائحة لا تطيب في أنوفنا ونسمع عنه ما لا ترضاه سلائقنا وأخلاقنا، لمّا سمعنا بأن عهده انقضى وأنه بدأ عهد جديد يُراد منه تقويم المعوجّ وإصلاح الفاسد، هتفنا وفرحنا. ثم ذهبنا مرة (وقد أشرت إلى ذلك من قبل) وفدًا عربيًا مشتركًا للقاء عبد الناصر وحثّه على تأييد ثورة الجزائر، وقد لفّنا بلسانه وسحرنا بحلاوة بيانه وأسكرَنا بوعوده.
ولمّا كانت الوحدة وجاء الشام أول مرة ماجت دمشق لمقدمه واستقبلَته استقبالًا ما حظي به إلاّ قليل مِمّن زارها في تاريخها الطويل.