لغاتهم، ولكنهم جميعًا يمشون على أرض واحدة، فلم يرَ فيهم ناسًا هم أقرب الناس إلى الإنسانية وأحقّهم بوصف البشرية وأسماهم نفسًا وأطهرهم قلبًا مثل الذين جاؤوا من الصحراء ترفرف فوق رؤوسهم رايات محمد '.
ومررنا بالفلّوجة، ورأينا من بعيد الحبّانية ومنازل الإنكليز. وتواردَت على الذهن صور لَمّاعة زاهية للنار التي أضرمها مرة رشيد علي الكيلاني ليحرق بها الاستعمار ويبدّد ظلامه، ولكن رياح الشرّ كانت أقوى من لهيبها فما أسرع ما أطفأتها. ودنونا من بغداد فازداد الشوق إلى بغداد:
وأكثرُ ما يكونُ الشوقُ يومًا ... إذا دنتِ الخيامُ مِن الخيامِ
ثم دخلنا أرباضها وجزنا بمدينة المنصور وبغداد الحديثة، ثم ولجنا المطار وقد دنت طلائع الفجر. واستيقظَت في نفسي الذكريات التي كانت نائمة في جنباتها، ذكريات أيامي في بغداد. ولقد عشت فيها أكثر من ألف يوم، فلو أن لكل يوم ذكرى لكانت في النفس عنها ألف ذكرى.
وكان المخفر خاليًا والمراقب وراء بابه يحتمي به من لذعة البرد في هذه الساعة من الليل، فقرعنا عليه الباب فخرج يتلقّانا بالبِشر والترحاب، لا ترى فيه مراقب مكس (جمرك) وموظف جوازات، بل تلقى (كما تلقى في كل بلد عربي، بل كل بلد مسلم حقًا) مضيفًا كريمًا يقابل ضيوفًا أحبّة. وتلك هي سلائق العروبة وتلك هي خلائق المسلم.