وقال كلامًا ما كنت أحسب أن رجلًا يواجه به آخر من عامّة الناس في لقاء له معه أول مرة! وكان العقيد الشيشكلي مبتسمًا، ما اختلجَت عضلة في وجهه ولا تقلّصَت بَسمتُه شعرة ولا بدا عليه أنه غضب أو تألّم، وكان يهزّ رأسه مستمعًا كأن الذي يُلقى عليه قصيدة مدح له لا كلام هجوم عليه. وكان يلحظني بطرف عينه خلسة كأنه يقول لي: أهؤلاء الذين جئتني بهم وسألتني الاجتماع بهم؟
وكأني أحسست أن في نظرته تهديدًا ووعيدًا، فلما خرجنا من عنده (وقد شيّعَنا إلى الباب) قال لي نواب صفوي: ما رأيك؟
ينتظر مني أن أقول له الله يعطيك العافية، فقلت له: الله لا يعطيك العافية! فصُدم وقال: لماذا؟ قلت: الله لمّا بعث موسى وهارون إلى فرعون قال لهما: {فقُولا لهُ قولًا ليّنًا} . هل أنت خير من موسى أم هو شر من فرعون، أم أنت لا تعرف آداب الخطاب؟
وكان عندنا بعد هذا الاجتماع احتفال كبير في جامع تنكز، وهو من مساجد الدرجة الثانية بعد الجامع الأموي، في مكان هو لُبّ البلد ومجمع الناس. فوجدنا فيه حشدًا عظيمًا يريدون أن يستمعوا لمن حضر من المؤتمر، فقام نواب صفوي فحدّثهم بما كان في مجلس الشيشكلي وروى لهم ما قال له.
وكنت قد رتّبت أموري على أن أذهب في رحلة الشرق مع الشيخ الصوّاف والشيخ أمجد الزّهاوي، وكاد الأمر ينتهي، بل