فهرس الكتاب

الصفحة 1842 من 3178

ذهبنا إليه صباحًا قبل ابتداء العمل في المحكمة، وكذلك حدّد هو الموعد. فلما دخلنا عليه خرج من وراء مكتبه واستقبلَنا من وسط الغرفة، ثم قعد أمامنا فحيّانا بأحسن ما يُحيّي به مضيفٌ ضيفَه. وجاءت القهوة فأبى إلاّ أن يقدّمها هو إلينا، أخذ الصينية من الخادم ووقف أمامنا يقرّبها إلينا! وأنا أتحرّج من أمثال هذه المواقف ولو كانت من زميل أو صديق وأرتبك ولا أعرف ماذا أصنع، لقلّة اختلاطي بالناس واندماجي بالمجتمعات، فقمت واقفًا وقام صاحبي نشكره ونرجو منه أن يقعد، فأبى وقال ضاحكًا: أنتم ضيوفنا، هل نسيتم عاداتنا العربية؟

ثم كان حديثٌ كالذي يكون بين الأصدقاء في المجالس. وبعد أن ذهب بالحديث يمينًا وشمالًا قال إنه عازم على نشر دستور جديد، قد استشار فيه أهلَ الحلّ والعَقْد وأراد منه الخير للناس وللبلد، وهو يريد مني (وخصّني هنا بالحديث) أن أُبدي رأيي فيه في عشر حلقات إذاعية من حديثي الذي كان يُذاع بعد صلاة الجمعة من كلّ أسبوع.

فسألته: هل لكم توجيهات معيّنة تريدون أن نتوجّه إليها في الحديث أو أمور تُحِبّون أن نؤكّد عليها؟

قلت هذا وأنا أعلم وهو يعلم أنني لن أستجيب له إذا أملى عليّ شيئًا لا أقتنع به. وتبيّن لي من هذه المقابلة والتي قبلها أنه ذكيّ نادر الذكاء، فقال: أعوذ بالله، وهل أنا مِمّن يُملي على مثلك؟ إنما نريد أن نستفيد من خبرتك ومن علمك ما ينفعنا وينفع الناس.

وأنا أظهرت أنني صدّقته، وأخذت كلامه على ظاهره. وذهبت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت