فهرس الكتاب

الصفحة 1696 من 3178

الجزائري، ومن قبلهم مربّي الشام وأحد بُناة نهضتها الشيخ طاهر الجزائري، والشيخ البشير الإبراهيمي الذي طالت صحبتي إياه، في دمشق عندما كان يزورها (وما أكثر ما كان يزورها) وفي عمان مرات، وفي القدس وفي بغداد. وطالما خطبت في الحفلات التي كان يخطب فيها، وهو عالم طلق اللسان ناصع البيان، يتدفّق الكلام من فيه تدفّقًا بلا لحن ولا زلل.

وقد كنّا يومًا معًا في سيارة واحدة من القدس إلى دمشق، وكنت إلى جنب السائق حيث تعوّدت أن أركب دائمًا (حتى إني إن ركبت داخل السيارة توهّمت أنه دار رأسي وضاق نفَسي) . وكنّا نتحدّث، فتعبَت رقبتي من الالتفات إليه لأنني لم أكُن أتلو بيتًا من الشعر إلاّ قال: إنه لفلان الشاعر من قصيدة كذا، وسرد عليّ القصيدة كلها أو جلّها.

فقلت: كيف حفظت هذا كله؟ قال: وأخبرك بأعجب منه، فهل تحبّ أن تسمع؟ قلت: نعم. فراح يقرأ عليّ مقالات لي كاملة ممّا نُشر في «الرسالة» أو مقاطع كثيرة منها، ما كنت أنا نفسي أحفظها. قلت: يا سيدي، الشعر فهمت لماذا تحفظه، فلماذا حفظت مقالاتي وما هي من روائع القول ولا من نماذج الأدب؟ قال: ما تعمّدت حفظها، ولكني لا أقرأ شيئًا أحبّه وأطرب له إلاّ علق بنفسي فحفظته.

فأظهرت (صادقًا) العجب منه والإعجاب به، وأضمرت في نفسي حقيقة استحيَيت أن أجهر بها، هي أنه مرّ عليّ دهر كنت أنا فيه كما قال. وأنا لا أزال أحفظ مقاطع كثيرة ممّا كتب المنفلوطي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت