وكانوا قد ألّفوا للمحاكمة مجلسًا عدليًا خاصًا، أعضاؤه من الفرنسيين ومعهم قُضاة من السوريين، وطالت المحاكمة، وكان على رأس المتهَمين فيها شابّ من آل عصّاصة، وآخر شاب بعمامة وجبّة من طلبة العلم من بيت الشيخ معتوق. وقد أدهش عصاصة القُضاة والمحامين كما أدهش الحاضرين وهم مئات (لأن المحاكمة كانت في المجلس النيابي، استعاروه ليعقدوها فيه) فكان القُضاة وكان محامو الاتّهام يحيطون بعصاصة، يحاولون إمساكه فلا ينالون منه منالًا ولا يصلون منه إلى شيء. حتّى دُعي السيد مكي الكتاني وألقى خطبة وعظ فيها عصاصة فاعترف بأنه القاتل، والسيد مكي رحمة الله عليه ليس عالِمًا متمكنًا، ولكنه رجل نبيل النفس سامي الخلق مخلص فيما يقول، وإذا قال دخل كلامُه قرارة نفس المخاطَب، فكان له في السامعين أبلغ التأثير.
وأذكر أنه يوم تنفيذ الحكم في عصاصة ومعتوق في ساحة المرجة (إذ قتلوهما شنقًا) تردّد الشيخ معتوق وجزع، فثبّته عصاصة ولامه وجعله يستقبل الموت استقبال الرجال. وفي مثل هذا المجال تكون الرجولة ويكون الصبر ويكون الاختبار. والغريب أن اسم عصاصة كان يلفظه القاضي الفرنسي «أساسان» ، ومعنى ذلك بالفرنسية «القاتل» ، زعموا أنها من لفظ «الحشاشة» ، اللقب الذي كان يُلقَّب به الإسماعيلية في غابر الزمان.
قُتل في تاريخنا وفي تواريخ الأمم جميعًا حُكّام وقُوّاد وأغنياء، كما قُتل فقراء وقُتل ناس من عامّة الشعب، ولكننا