فلما رأوه تطايروا كما يتطاير سرب من العصافير حطّ عليها الباشق.
ومشى معي إلى المدرسة. قلت: أشكرك، أشكرك، ولكن خبّرني أولًا لماذا ذهبوا؟ لماذا خافوا منك؟ قال: هذا توفيق من الله. فأصررت عليه فلم يخبرني. فتقصّيت خبره بعد ذلك ممّن يعرفه، فعلمت أنه كان في شبابه مقدم حيّه وكبير «فتوّاته» ، وبقي معه من أتباعه ومن إخوانه جماعة يفدونه بأرواحهم ويبذلون له دماءهم، وكل واحد منهم بخمسة من هؤلاء الشباب الذين قطعوا عليّ الطريق وجاؤوا يهدّدونني.
فلما رأيت ذلك رجوته أن ينزل معي كل يوم من أيام الامتحان من الأعظمية إلى بغداد فقبِل، وبقينا على ذلك حتّى حان موعد السفر، وجزيته خير ما قدرت عليه من الجزاء، وأسأل الله الآن أن يرحمه وأن يجزل له الجزاء.
وممّا وقع لي تلك السنة أن الطلاّب اليهود كانوا في الأقسام العلمية تسعة أعشار الطلاّب، وكانوا ينالون أعلى الدرجات في الامتحانات حتّى في الأدب العربي الذي أدرّسه (كما أدرّس الديانة) . وكان منهم الأول والثاني والثالث والرابع والخامس، أي أن الخمسة الأوائل كانوا من اليهود.
فغاظ ذلك المدير، وكان شابًا يتفجّر حماسة وإخلاصًا ويمتلئ قلبه بغضًا لليهود وكرهًا، وقد نسيت اسمه مع الأسف