لذائذ الدنيا كلها.
وما لذائذ الدنيا؟ لقد قلت من قديم: إن الفقير يمرّ بقصر الغني أو تمرّ به سيارته فيحسب أنه إن كان له مثلها فقد حيزت له الدنيا وجمع السعادة من أطرافها. ولكن هل يشعر بهذه السعادة مالكُ القصر والسيارة؟ إنها تصير له شيئًا عاديًا يفقد الاستمتاع به ولكن يألم لفقده. والعادة -كما جاء في كتب علم النفس- تُضعِف الحس ولكن تزيد الفاعلية. أفليس هذا دليلًا على ما قلته من أن اللذائذ المادّية كلّها سراب؟ لا تدرك جمال السراب إلاّ من بعيد، فإذا صرت عنده تسرّب جمال منظر الماء ورأيت أنك لا تزال في الصحراء.
سبع وسبعون سنة أمضيت أكثرها في العلم والأدب: دراسة في المدرسة وقراءة على المشايخ ومطالعة في الكتب ومساجلة مع الإخوان. لو أحصيت معدَّل الساعات التي كنت أطالع فيها لزادت على عشر في اليوم، لأنني منذ الصِّغَر شبه معتزل بعيد عن المجتمع. فلو جعلت لكل ساعة عشرين صفحة، أقرأ من الكتب الدسِمة نصفها ومن الكتب السهلة نصفها، لكان لي في كل يوم مئتا صفحة. أتنازل عن نصفها احتياطًا وهربًا من المبالغة وخوفًا من الكذب (وإن كنت لم أكذب ولم أقُل إلاّ حقًا) ، فهذه مئة صفحة في اليوم. فاحسبوا كم صفحة قرأت من يوم تعلّمت النظر في الكتب وامتدّت يدي إليها. سبعون سنة، في كلّ سنة اثنا عشر شهرًا، في كل شهر ثلاثون يومًا، في كل يوم مئة صفحة. فإن هالكم الرقم فاحسموا منه نصفه، فكم يبقى؟ كنت (ولا أزال)