تخرج من دمشق فتمشي إلى جنب بردى وأبنائه بين الرياض والبساتين، حتّى تعلو جانبًا من لبنان الشرقي، وتهبط منه فتبلغ سهل البقاع. السهل الذي صيّرناه بعد الأمن والدعة والجمال دارَ خوف ومسرحَ قتال. حتّى إذا تجاوزت شتورا بدأت تصعد حتّى تمشي وسط السحاب أو تعلو فوقه (وهذا منظر حقيقي لا تعبير خياليّ) إلى ظَهْر البَيْدَر، ثم تنعطف يمينًا فتدخل الجنّة التي أحالها البشر اليوم نارًا، فإذا عن يمينك الطريق الفرعي إلى حَمّانا ففَالوغة، ثم ينزل إلى بيروت من هناك. وأمامك الشارع الأصلي الذي يجوز بصوفر وبْحَمْدون وعَاليه، وتلك المرابع التي كانت للحبّ فصارت للحرب، وكانت للشعر فغدت للذعر [1] .
ولو لم يُصِبْ لبنانَ هذا الزلزالُ الذي لا تزال تتعاقب خضّاته وتتوالى هزّاته وتمتلئ الصحف بأخبار فواجعه: من رصاص يئزّ ومدافع تدوّي ونيران تندلع، وأرواح خلال ذلك تُزهَق، لو لم يكن من ذلك شيء لبقي بلدًا آمنًا مطمئنًّا يأتيه رزقه رَغَدًا من كل مكان.
وجئت سنة 1984 لأصف بيروت سنة 1937، ليقرأ الشباب في ذلك تاريخًا لما كان لا وصفًا لما هو كائن. لا أتكلم عن بيروت الماضي السحيق التي كان فيها إحدى حكومات الفينيقيين، لأن كل بلد كانت لها عندهم حكومة، وإن كانت الكبرى صيدا. لبثَت على ذلك أكثر من أربعمئة سنة، ثم انتقلَت
(1) كانت الحرب الأهلية في لبنان على أشدّها يوم نُشرت هذه المقالات أول مرة في جريدة «الشرق الأوسط» (مجاهد) .