فقلت لمن معي من الطلاّب: اقرعوا أحد هذه الأبواب ليسقونا. قالوا: يا أستاذ كيف نقرع بابًا لا نعرف صاحبه والدنيا ليل والناس نيام؟ قلت: يا جماعة، نحن في أول الليل. لقد أذّن العشاء من قليل، والمضطرّ معذور ونحن إنما نطلب شربة ماء.
فتهيّبوا ذلك. قلت: أنا أفعل. واخترت دارًا يبدو على أهلها اليسار، فقرعت الباب فخرج رجل مشرق الوجه باسم الثغر، فقلت: السلام عليكم. قال: وعليكم السلام، أهلًا وسهلًا تفضّلوا. ولم نكن ننتظر أكثر من ذلك لنتفضّل، فتفضّلنا ودخلنا وقلت له: إبريق ماء أولًا ثم الكلام. قال: تكرمون.
وأسقانا على ظَمأٍ زُلالًا ... ألذَّ من المُدامَةِ للنديمِ
وما ذقت بحمد الله المدامة ولا أعرفها، ولكني شربت عنده ألذّ شربة دخلت جوفي، فما أكملنا الشرب حتّى جاءنا بالشاي. وقلت: ألا تعرف أولًا من نحن؟ ألا تسألنا عن قصّتنا؟ قال: من عادة العرب اليوم أنهم لا يسألون الضيف عن اسمه، فإن شاء هو خبّرهم. فقلت: هل سمعت بالطفَيليّين؟ قال: نعم. وتبيّن لنا أنه رجل أديب مطّلع، فحدّثناه حديثنا فضحك وقال: انتم إذن بحاجة إلى طعام؟
قلت: لا، بل نحن بحاجة إلى ورق أبيض وقلم. فتعجّب وقال: ولِمَ؟ قلت: لنكتب وصايانا قبل أن نموت من الجوع، ولتعرف عنواني لتوصل ما معي -إن متّ- إلى أهلي. قال ضاحكًا: وهل معك مال كثير؟ قلت: لو كان معي مال لما تطفّلت عليك! وأمضينا سهرة ممتعة وصرنا أصحابًا.