سوريا رحمة الله عليه، والذي كان أستاذنا وأستاذ مَن هم قبلنا، وكنّا ونحن معلّمون أمامه تلاميذ، نسمع منه كل يوم جديدًا من العلم لا نعرفه أو خلاصة تجرِبة في الحياة لم نمرّ بمثلها. والثاني: مَن يجيء باللطف والأدب واللين، لا يُشعِرك بأنه فوقك وأن له عليك سلطانًا.
ولم يكن هذا المفتّش الذي دخل عليّ واحدًا من الصنفَين، أو كذلك بدا لي. وبدأ يُلقي عليّ ملاحظاته فاستمعت إليها ظاهرَ الضيق مستعدًا للنزال وللصدام، وإذا هي ملاحظات شكلية لا يزيدني اتباعها ولا ينقص مني الإعراض عنها، أي أنها لا تضرّ ولا تنفع، وإنما هي أشياء حفظها من الكتب التي كان يدرسها في الجامعة في فرنسا ترجمها وحملها معه وجاء يصبّها على رأسي.
فلما أطال لم أعد أحتمل، وقلبت له ظهر المجنّ وسخنت له القول: «ونحنُ أُناسٌ نُتْبِع الباردَ السُّخْنا» كما قال المتنبّي. وافترقنا على خلاف، وإن حاول أن يعود قبل الفراق إلى الملاطفة وإلى إصلاح الأمر بيني وبينه فما نجح في محاولته.
وتناسيته وعدت إلى دروسي، وإذا أنا كلّما لقيت أخًا من إخواننا المدرّسين في بغداد، السوريين منهم والعراقيين، حدّثني عن خلاف بينه وبين هذا المفتّش. ومرّت أسابيع فإذا نحن نتلقى كتابًا صغيرًا طبعَته وزارة المعارف وبعثت توزّعه علينا معشر مدرّسي العربية، فيه أوامر ونصائح وتوجيهات بعث بها هذا الرجل وأنزلها علينا من فوق، «من الباب العالي» ! فغضبنا واجتمعنا عند الأستاذ محمد مهدي الجواهري الشاعر، وكان من