فينقذوا بذلك بغداد، ولو هلكوا في سبيلها.
مشينا بعد ديالي طويلًا في برّية ما فيها شيء حتّى طلعت علينا قرية سلمان باك، أي سلمان الطاهر، القائمة على قبر سلمان الفارسي رضي الله عنه، تلوح على حاشية الأفق تَضِح [1] وتغيب، ثم تبينّاها واضحة ورأينا قبّة مسجدها، ورأينا بجانبها بناء ضخمًا كأنه جبل. فقلت: ما هذا؟ قال مَن معي: هذه قبّة سلمان الفارسي، وهذا إيوان كسرى.
ولما وصلنا إلى الإيوان لم نجد إلاّ طاقًا عاليًا متهدّمًا وجدارًا شامخًا متصدّعًا أحسب أن علوّه عمارة من سبع طبقات، وهو مائل ميلًا خفيفًا جدًا بحيث يستطيع الإنسان أن يتسلّقه إذا مد يده إلى آجرّةٍ فيه (وهو مبني بالآجر كسائر أبنية العراق) فتثبّت من قوّتها فأمسك بها، ونقل قدمه من آجرّة إلى أخرى أعلى منها.
وصعدت وكدت أقطع ثلاثة أرباع الجدار، وأنا ابن الجبال نشأت بين صخور قاسيون وعلى سفوحه، وإذا بأحد الطلاّب يصيح بي من الأرض: ياأستاذ، ياأستاذ! يريد أن ألتفت حتّى يصوّرني. فلما تلفّتُّ ونظرت تحتي ورأيت الناس بحجم طيور الحمام دار رأسي ولم أعُد أعي على نفسي، وكدت أسقط. ولكن الله أودع في الإنسان ذخيرة كامنة من القوّة يستخدمها عند الشدائد، فنزلت وأنا لا أشعر كيف نزلت فما وعيت إلاّ وأنا على الأرض.
(1) وَضَحَ يَضِحُ مثل وَعَدَ يَعِدُ.