ومهّد لحكم الاتحاديين، وكنّا نمرّ في الصّليخ فلا نجد فيها كلها إلاّ بيتين للقريبَين المتعاديَين: حكمة سليمان ورشيد عالي الكيلاني.
كان في الثانوية المركزية التي دُعيت للتدريس فيها وأخذت مكان الأستاذ الشيخ بهجة الأثري (ولم أعُد أدري هل أقول رحمه الله أم أقول حفظه الله، وأرجو أن يكون حيًا وأن يكون بخير) ، كان في المدرسة أكثر من ألف طالب. هذا العدد الكبير من الطلاب كان يحرّكهم جميعًا مراقب واحد، فلا يجد منهم مَن يخرج مِن النظام (النظام في اللغة هو خيط العقد) أو يضطرّه إلى تأنيب أو عقاب، ولو كان مثلهم يومئذ في مدرسة من مدارس الشام لاحتاجوا إلى فرقة كاملة من المراقبين؛ ذلك لأن تلاميذ بغداد عُوِّدوا الطاعة من طريق الفتوّة والتدريب شبه العسكري فصاروا يُطيعون من غير ذُلّ، وكانوا أقوياء في غير عدوان.
وكان يؤلّف بيني وبينهم الحبّ والتقدير؛ ما احتجت يومًا إلى عقاب تلميذ. أمّا الطلاب فأشهد أنهم من أحسن مَن رأيت من الطلاب: حرصًا على الفهم، ورغبة في العلم، وانضباطًا وتقديرًا للمعلّم. على أن يحسّوا منه بأنه قوي في مادّته عادل في معاملته طبيعي في تصرفاته، وهذه هي الصفات الثلاث للمدرّس الناجح، ثم إن سُئِل عن شيء يعرفه أجاب وإن لم يكن يعرفه قال: لا أدري، فعلّمهم بذلك أخلاق العلماء كما يعلّمهم علم العلماء. وأن يكون جريئًا شجاعًا، وأن يكون كريمًا لا يحرص على المال. والشجاعةُ والكرم هما رُكنا النباهة والسيادة عند العرب، وهما