ثم عاد ينادي هذا الليل الأصمّ: «يا ليل يا ليل» ، والليل يُصغي ويطرب ولكنه لا ينطق فيجيب. كم ذا يهتفون باسمك وأنت صامت! يا ليل: يا ملجأ البائسين، يا سمير العاشقين، ياحبيب المتعبّد الناسك، يا عدوّ المريض المتألّم الحزين. يا ليل يا ليل، كم يُخفي ظلامك من مشاهد البؤس ومظاهر النعيم! يا ليل: كم تضمّ أحشاؤك من آلام وآمال، كم تشهد من أفراح وأتراح، كم يتمنّى لقاءك السعيد الجذلان وكم يرقب فجرك ضائقٌ حَزنان! كم بين جوانحك من ساهر يراقب النجم، يرقب حبيبًا لن يعود أبدًا، أو يناجي ميتًا لا يسمع، أو يحنو على مريض لا يشفى، أو يشكو والحياة لا تسمع شَكاته! يا ليل، يا رمز السرمدية، يا حليف المسرّات، يا قرين الآلام.
امتلأَت نفسي شجنًا، وأحيَت هذه الليالي ذكريات الليالي الخاليات، وملك نفسي شعور أعهده منها كلّما سمعت الصَّبا. يالسحر الصَّبا (أي مقام الصَّبا) ! ومضى الشابّ يقلّب الأنغام فيتلاعب بالقلوب والمشاعر، ثم كرّ كرّة فجاء بنغمة متقطّعة مرقِّصة وأتى بـ «دور» يُترع النفوس فرحًا، واضطُرّ القوم كلهم أن يردّدوا كلمات منه بصوت منخفض يخالطه صوته الرقيق العالي فيكون منه اتّساق (آرموني) موسيقي عجيب. وعاد المرح إلى المجلس، فعلمت أن موسيقانا ليست كلها بكاء وألمًا ولكن فيها المرقّص المُطرِب.
وكان الشيخ سعدي لا يدّخر سكتة بين نغمتين إلاّ أحكم المرمى وقذف بنكتة من نكته التي لا ينفد معينها، وزلزل المجلس بأهله من الضحك، حتى لقد حسبتُ الدنيا تضحك معنا. ثم