على رجله يا ولد؟ فقال: والله كذّاب، ما دُست على رجله ولكن هو الذي عضّني في أذني. فغضبت وصرخت: وكيف يعضّك وأنا قاعد هنا؟ فقال: ليس الآن ولكنه عضّني أمس.
وتطوع العفاريت الصغار بالشهادة للمدّعي وللمدّعى عليه، وزُلزِل الفصل، فضربت المنصّة بالعصا وأسكتّهم جميعًا وهدّدت من يتكلّم منهم بأقسى العقوبات. ولست أدري أنا ما أقسى العقوبات هذه! فسكتوا وعادوا إلى الدرس"."
هذه صورة ممّا كنت ألقى. وإنها لمن الصور النادرة، لأنني كنت أضبط الصفّ فيكون هادئًا ساكنًا، لا عن خوف خالص مني بل عن خوف مَشوب بالمحبّة، وكنّا نضرب أحيانًا. لمّا نُقلت إلى مدرسة الميدان فأمضيت فيها مدّة قصيرة وجدت في السنة الثانية ولدًا صغيرًا اضطُررت إلى ضربه فبكى قليلًا، ثم أرضيتُه فسكت. ومرّت الأيام، فإذا هذا الولد الذي ضربتُه صغيرًا ولم يُكتَب له أن يُكمِل دراسته النظامية أحد العشرة الذين قابلتهم في حياتي من أذكى الأذكياء، اشتغل بأعمال شتّى، ثم لمّا ولي أخونا الأستاذ محمد المبارك رحمة الله عليه، ابن شيخنا، وزارة الأشغال العامّة أدخله موظفًا صغيرًا فيها، فاستطاع بقوّة شخصيته وبكرمه وبتوزيعه ربع راتبه على مَن حوله ممّن هو أصغر منه أن يحتلّ منزلة أعلى من منزلته الرسمية.
ومضت الأيام وجئت أطبع كتابًا من كتبي الأولى في مطبعة دار السلام فوجدته مديرها، وهي مطبعة صغيرة، ولكنه يفرض احترامه على العاملين معه. ثم مرّت الأيام فذهب إلى قطر معلّمًا