آقبيق. كان مدير هذه المدرسة شريف آقبيق الذي كان مدير القسم الابتدائي في المدرسة السلطانية الثانية لمّا كنت تلميذًا فيها سنة 1918، ثم رأيته هنا (في مدرسة الملك الظاهر) فما رأيت منه إلاّ كلّ إكرام. لم أَشْكُ منه شيئًا، وهو لا يزال حيًا مدّ الله في عمره وقوّاه على شيخوخته. وكان من مديرينا الأستاذ توفيق ميخائيل، مدير مدرسة طارق بن زياد في المهاجرين. هذه المدرسة التي كنت فيها تلميذًا عنده ثم جئتها معلّمًا، لبث مديرًا فيها أكثر من ربع قرن. وكان كبار السنّ من نصارى الشام يسايرون المسلمين، بل كان يأمر التلاميذ بإقامة الصلاة، لا إيمانًا منه طبعًا بصحّة دينهم بل تَمْشِية لحياته بينهم.
أمّا المفتّشون فلم يكن على أيامنا في دمشق إلاّ مفتّش واحد هو أستاذنا سنة 1919 العالِم الجليل والمربّي الكبير الذي يشارك في كثير من العلوم، صاحب الأخلاق العالية الذي يفرض على كل من يراه أن يحترمه وأن يحبّه، هو الأستاذ مصطفى تمر. فكنت أنا وإخواني نجد أنفسَنا تلاميذ بين يديه فلا نجرؤ عليه [1] .
ولمّا توسّعَت دائرة المفتّشين جاؤونا بمفتّش شابّ من حلب، رأيناه أقرب إلى الرعونة وإلى الخفّة وأرانا من حماقته ما جعَلنا نُريه النجوم عندما يصعد مؤذّن المسجد المقابل للمدرسة ليؤذّن لصلاة الظهر! ففرّ هاربًا ولم يعقّب ولم يرجع، وبلغني أنه صار صاحب مصنع للجوارب.
(1) ولم يمشِ في جنازته إلاّ عشرون شخصًا. فيا ضيعة الوفاء! ورحمة الله عليه فهي خير له.