الأشرفية التي تبعد عن باب الأموي الغربي مئة متر. حديثه كله في العلم، جوابًا لمسألة أو حلاًّ لمعضلة، أو دلالة على مرجع أو تعريفًا بعالِم أو بكتاب، لا يحبّ اللغو من القول ولا يأذن بأن يكون في مجلسه، أمّا الغيبة فما لها عنده مكان. ومَن حَسِب أن ذلك سهل فليجرّب يومًا واحدًا ألاّ ينطق بغيبة وألاّ يسمعها.
كانت له في قلوب الشاميين منزلة ما وصل إلى مثلها ممّن نعرف أحد؛ لذلك فاجأَنا نبأ موته. لا لأننا نتصور أنه خالد لا يموت، بل لأننا نعلم أننا لن نجد بعده مثله، رجلًا يُقِرّ برياسته العلماء ويتبع أمره الشعب، ويتهيب المسَّ به طغاةُ الحكّام من باشوات الأتراك إلى جنرالات الفرنسيين. مَن زاره منهم علم سَلَفًا أن عليه أن يصعد درَج المدرسة وأن يخلع نعليه عند باب الغرفة، وأن يقعد معه على الأرض، وأن يستمع ما يقول الشيخ، وأن يحرص على ألاّ ينطق أمامه بما لا يرتضيه.
كان هو سرّ قوّة دمشق، تلجأ إليه كلّما دهمتها الخطوب فتفيء منه إلى جنّة وارفة الظلال، وتفزع إليه كلّما حاق بها اليأس فتجد عنده الأمل الباسم الذي يشقّ طريقًا للحياة وسط شعاب الموت، والثقة بالله التي تسمو بصاحبها حتى يجتاز العقبات كلها طائرًا بجناحَين من الشجاعة والثبات.
وكانت كلمات الشيخ، على قلّة ما يتكلم إلاّ في درسه الذي يفيض فيه فيَضان النبع الذي لا ينقطع ولا يجفّ مَعينه، كانت كلماته قليلة، ولكن لها فعل السحر في أعصاب الشاميين الذين يسمعونها فيُقدِمون لا يهابون شيئًا. ولقد عرفتم أن روح الثورة