اعلم -أعزّك الله- أن الوظيفة ليست غُلاًّ في العنق ولا قَيدًا في الرِّجْل، وليست مقايضة آخذ فيها الراتب باليمين لأعطي الضمير بالشمال. ولو أنها كانت كذلك لعزفت عنها ونفضت يدَيّ منها، ولآثرت أن أبيع خزانة كتبي كَرّة أخرى أو أقضي وأسرتي جوعًا على أن آكل خبزي مغموسًا بدم الضمير، وعلى أن أكفر بالفضيلة وأؤمن بالمصلحة.
(إلى أن قلت في آخر المقال) : ومَن أنبأك -أعزّك الله- أن الموظف لا يحقّ له أن يفكّر إلاّ بعقل رؤسائه ولا يرى إلاّ بعين أمرائه؛ فلا يحقّق من الآراء ما أبطلوا ولا يقبل ما ردّوا ولا يُؤْثر ما سفّهوا، ولا يرى ما استقبحوه حسنًا ولا ما صغّروه كبيرًا ولا ما عظّموه حقيرًا؟ أوَلو كان رؤساؤه مخطئين؟ أوَلو كانوا لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون؟
ومَن ذا حظر عليه ما أُبيحَ للناس، ومنعه ما مُنحوا من حرّية التفكير وحرّية الرأي وحرّية القول؟ ولماذا يشتهي من الطعام ما يعافه رئيسه ويستحسن من أبيات الشعر وأصوات الغناء ما يستهجنه ويستثقله ولا يكون عليه في ذلك من حَرَج، ثم لا يتخذ له من الآراء غيرَ رأيه ومن المذاهب غير مذهبه؟ ولماذا لا ينشر هذا الرأي ويؤيّد هذا المذهب، ما دام لا يأتي محرّمًا في الشرع ولا ممنوعًا في القانون؟
والوظيفة -يا سيدي- عَقدٌ بين الدولة والموظف على أن يعمل عملًا بعينه على جُعْل (راتب) بذاته. أفهل يعمل الأجيرُ في الدكّان والعاملُ في المصنع والنادلُ في الفندق والخادمُ في