فيا أيها الواقفون في عرفات: هنيئًا لكم موقفكم إن عدتم منه مغفورًا لكم، هنيئًا لكم إذا وُفّقتم على قبول حجكم. هذا الذي كنتم تتمنّونه قد نلتموه فلا تعودوا منه صفر اليدين، إنكم في يوم تفتّحَت فيه أبواب السماء، في يوم يُقبَل فيه الدعاء، فمدّوا أيديكم واسألوا ربكم، ادعوه، تضرّعوا إليه.
ولا يقُل قائل من الناس: إننا في معركة مع اليهود وأنت تريد منّا أن نكتفي بالدعاء. أنا لا أريد أن تَدْعوا دعاء الخاملين العاطلين ولا يريد ذلك الإسلام، بل أريد أن نمتثل أمر الله، أن نُعِدّ ما استطعنا من القوّة لأعدائنا وأن نبذل ما نقدر عليه من جهدنا، ثم نسأل ربنا النصر على عدوّنا، لأن النصر ليس مقترنًا حتمًا بكثرة العدد ولا بضخامة العُدَد، والمسلمون الأوّلون (الذين خاضوا عشرة آلاف معركة، إذا استثنينا منها بضع معارك) كانوا دائمًا أقل من عدوّهم عددًا وعُددًا. لقد نصر الله المسلمين ببدر وهم أذلّة، أذلّة عند الناس لا أذلّة أمام الحقّ، فالمؤمن لا يَذِلّ أبدًا. ويوم حنين إذ أعجبتهم كثرتهم فلم تُغْنِ عنهم شيئًا.
أمرَنا الله بأن نُعِدّ ما استطعنا من القوّة لكن هل نُعِدّها للنصر؟ لا، بل لنُرهِب بها عدوّ الله وعدوّنا، وما النصر إلاّ من عند الله. أنزل الله ملائكته في بدر، هل أنزلهم للنصر؟ لا، وإنما أنزلهم بُشرى: {وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إلاّ بُشْرى لكُمْ ولِتَطْمَئِنَّ قلوبُكم به} ، {ومَا النَّصْرُ إلاّ مِن عِنْدِ اللهِ} ، {وكَمْ مِن فِئَةٍ قَليلةٍ غَلبَتْ فِئةً كثيرةً بإذنِ الله} .
فالمسلمون إذا نسوا أنهم أمة واحدة وفرّقتهم العصبيات