ثبوت الربا في الذهب والفضة بالاسم دون المعنى. وقال جمهور أصحابنا: [137/أ] إنها علة وإن لم تتعد عن حكم الأصل؛ لأن وقوفها يوجب نفي حكم الأصل عن غيره، كما أوجب تعديها ثبوت حكم الأصل في غيره، فصار وقوفها مؤثرًا في النفي كما كان تعديها مؤثرًا في الإثبات، فاستفيد بوقوفها وتعديها حكم غير الأصل، فعلى هذا يكون ثبوت الربا في الذهب والفضة بالمعنى دون الاسم، فصارت صحة المعاني معتبرة بأربعة شروط، وفي صحة العلل وجهان:
أحدهما: تعتبر صحتها بأربعة شروط لما قدمناه من فرق ما بين المعاني والعلل.
فإذا تقرر هذا وجب على المستنبط أن يعتبر بها حكم الأصل في الكشف عن معانيه، فإن لم يجد فيها ما يؤثر في الحكم، كأعداد الركعات ونصب الزكوات، علم أن معانيه غير معقولة، وأن الحكم فيها مقصورًا على الاسم ومعتبر بالاسم، وإن كان في معاني الأصل ما يكون مؤثرًا في الحكم سير جميع معانيه ولم يقتصر على المعنى الأول؛ لجواز أن يكون بعده ما هو أقوى منه، ليكون حكم الأصل معتبرًا بأقوى معانيه.
ثم لا يخلو معاني الأصل من أن يكون الحكم متعلقًا بجميعها أو ببعضها، فإن تعلق بجميع معاني الأصل كالربا في الذهب والفضة فهي العلة الواقفة، وهل يكون ثبوت الحكم في الأصل بالمعنى أو الاسم، فعلى ما ذكرناه من الوجهين، وإن تعلق الحكم ببعض معانيه فهو على ضربين؛ أحدهما: أن يصح تعلق الحكم بأحد معانيه. والثاني: أن لا يصح. فإن صح تعليقه بأحدها فهو على ضربين:
أحدهما: أن تتفق أحكامها في الفروع، فيوجب كل واحد منهما بوجوب غيره، فيكون المستنبط مخيرًا في تعليق الحكم بأيها شاء، كما يجوز أ، يثبت حكم الأصل بأي دلائله شاء. [137/ب] والثاني: أن تختلف أحكام المعاني في الفروع، فيوجب كل واحد غير ما يوجب الآخر، كتعليل الربا في البر بأنه مقتات وبأنه مأكول، وبأنه مكيل، ولكل واحد من هذه المعاني فروع تجتذبها ليست في غيره، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون أحدهما داخلًا في الآخر، فيكون الحكم معتبرًا بالمعنى للأعم دون الأخص في تعليل الربا في البر بأنه مقتات، وتعليله بأنه ماكول والقوت يدخل في المأكول، فكان تعليله بالأكل منه بالقوت لعموم الأكل وخصوص القوت.
والثاني: أن لا يدخل أحدهما في الآخر، كالتعليل بالأكل والتعليل بالكيل، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون أحد المعنيين أكثر فروعًا من الآخر، فيكون أكثرها قروعًا أولى وتعليل الحكم به أحق لكثرة بيانه بكثرة فروعة.
والثاني: أن تتقارب فروعهما، فهو على ضربين:
أحدهما: أن تكون شواهد أكثر الأصول مع أحدهما، وشواهد أقلها مع الآخر فيكون أكثرها شواهد أولى، وتعليل الحكم به أحق لقوته بكثرة شواهده.