مأخوذ من استنباط الماء إذا استخرج من حفرته.
وقد جعل الله تعالى الأحكام أعلامًا من أسماء ومعاني: فأما الأسماء فهي ألفاظ ظاهرة تعرف بالبديهة. والمعاني: علل باطنة تعرف بالاستنباط، ويكون الحكم بالاسم مقصورًا عليه وبالمعنى متعديًا عنه، فصار معنى الاسم أخص بالحكم من الاسم لعموم المعنى بالتعدي وخصوص الاسم بالوقوف، ولئن كانت المعاني تابعة للأسماء؛ لأنها مستودعة فيها فالأسماء تابعة لمعانيها لتعديها إلى غيرها. فإن تورعنا في تعليق الأحكام كان ما يدل عليه في إثبات القياس كافيًا، وإذا كان كذلك وجب أن يستنبط [135/ب] معاني الأحكام بالاجتهاد، ليعلم بالقياس حكم ما يرد فيه نص من معاني ما ورد فيه النص، فما وجد فيه معنى النص شاركه في حكمه قياسًا، وما عدم فيه معنى النص خالفه في حكمه عكسًا، فيكون القياس موجبًا لحكم الإثبات في الطرد، وحكم النفي في العكس.
ومن أصحابنا من جعله موجبًا لحكم الطرد في الإثبات ولم يجعله موجبًا لحكم العكس في النفي، وهو قول من اعتبر في صحة العلة الطرد دون العكس، وزاد قول من اعتبر صحتها بالطرد والعكس. والفرق بين المعاني والعلل أن المعنى ما وجب به الحكم في الأصل حتى تعدى إلى الفرع، والعلة اجتذاب حكم الأصل إلى الفرع، فصار المعنى ما ثبت به حكم الأصل، والعلة ما ثبت به حكم الفرع. ثم هما بعد هذا الفرق يجتمعان من وجهين ويفترقان من وجهين:
فأما الاجتماع: أن حكم الأصل موجود في المعنى والعلة. والثاني: أن المعنى والعلة موجودان في الفرع والأصل.
وأما الافتراق: فالعلة مستنبطة من المعنى وليس المعنى مستنبطًا من العلة لتقدم المعنى وحدوث العلة.
والثاني: أن العلة قد تشتمل على معاني، والمعنى لا يشتمل على علل؛ لأن الطعم والجنس معنيان وهما علة الربا.
وعبر بعض الفقهاء عن المعنى بالعلة، وعن العلة بالمعنى، ولم يذكر فرقًا بينهما، إما اتساعًا وإما استرسالًا، والتحقيق فيهما ما ذكرناه من الفرق. فإذا تقررت هذه الجملة وجب على المجتهد في استنباطه المعاني والعلل أربعة شروط يعتبر بها صحتها ثم تختص العلل دون المعاني بشرطين مختلفين فيهما.
فأما [136/أ] أحد الأربعة: فأن يكون المعنى مؤثرًا في الحكم، فإن لم يؤثر فيه لم يجز أن يكون معنى للحكم ولا علة له، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرجم ماعزًا لاسمه ولا لهيئة جسمه ولكن للزنا، فصار الزنا علة الرجم، وكما أثبت الرسول صلى الله عليه وسلم الربا في البر، لا أنه مزروع، ولكن لأنه كطعوم فكان الطعم علة الربا دون الزرع.
والثاني: أن يسلم المعنى والعلة على الأصول ولا يرد فيهما نص ولا إجماع؛ لأن القياس فرع لهما يستعمل عند عدمهما فلم يجز أن يكون دافعًا لهما، فإذا رده أحدهما بطل.