فهرس الكتاب

الصفحة 3153 من 7167

الفصل

وهذا كما قال: إذا غصب دابة أو دارًا فعلى غاصبها أجرة مثلها من يوم غصبها إلى يوم ردها لأن المنافع تجري مجرى الأعيان في معظم الأحكام وقد تلفت المنافع في يد الغاصب وبه قال أحمد، وقال مالك: إن انتفع بها يلزمه الضمان وإلا فلا يلزم.

وقال أبو حنيفة: لا يضمن المنافع بحالٍ إلا أن يكون في شبهة العقد مثل أن يؤاجر العبد المغصوب نفسه من الغاصب يلزمه أجر المثل إن استعمله، وان لم يستعمله تلزم الأجرة قال: وإذا وجبت الأجرة ها هنا يلزمه الأقل من المسمى أو أجر المثل وهكذا قال في جميع الإجارات الفاسدة واحتج بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"الخراج بالضمان"والغاصب ضامنٌ للعين وكان الخراج له ومنافع العين خراجها حتى قال أبو حنيفة: لو أن الغاصب اكترى الدابة المغصوبة فما قبض من الكراء له ولا يلزمه رده على صاحب الدابة لأنه ضامن للعين والخراج بالضمان فقال الشافعي [1] : وليس الغلة بالضمان إلا للمالك الذي قضى له بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعنى هذا أن قوله: الخراج بالضمان إنما ورد في المشتري إذا رد السلعة بالعيب فالخراج له وما ورد في الغاصب بدليل خبر مخلد بن خفاف وقد ذكرناه في كتاب البيع.

وإذا ثبت الحديث في المشتري لا يجوز إلحاق الغاصب به لأن المشتري مالك للسلعة حين يستغلها فتكون الغلة ملكًا له بإزاء ما عليه من ضمان الأمل المملوك، فأما الغاصب فليس بمالك في الأصل وإن كان ضامنًا له، وإذا لم يكن مالكا للأمل فكيف يكون للفرع؟ ثم قال المزني: وأدخل الشافعي على من قال: إن الغاصب إذا ضن سقط عنه الكراء قوله [27/أ] إذا اكترى قميصًا فاتزر به أو بيتًا فنصب فيه رحى أنه ضامن وعليه الكراء فمقصود الشافعي من هذا بيان مناقضة أبي حنيفة حيث قال: الخراج بالضمان على الغاصب فإذا ضمن الأصل بالعدوان كانت المنافع له لا يغرمها بحال ثم ناقض فقال: إذا اكترى قميصًا فاتزر به صار ضامنًا لما اتزر به وعليه كراؤه لصاحبه فاجتمع عليه ضمان الأصل وضمان المنافع.

وناقض أيضًا فقال: إذا اكترى بيتًا فنصب فيه رحىً أنه ضامن للبيت وعليه الكراء فجمع بين الكراء والضمان فليقل مثل ذلك في سائر المعصومات، فإن اعتذر بأن الأجرة في هاتين المسألتين إنما وجبت بالعقد والمنافع بالعقل تصير مالًا قلنا: هذا المستأجر كان غير ضامن في أول الأمر فلما تعدى في الإجارة صار حكمه حكم الغاصب في ضمان الأصل ثم لم يجعله كالغاصب في حكم المنافع حتى يسقط عنه ما لزم بالعقد كذلك ها هنا.

(1) أنظر الأم (3/ 38) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت