بزكاته من الأجانب لقوله - صلى الله عليه وسلم:"خير الصدقة على ذي الرحم الكاشح" [1] يعني المعادي، وقال - صلى الله عليه وسلم:"صدقتك على غير ذي رحمك صدقة وعلى ذي رحمك صدقة وصلة" [2] فإن عدل بها عن أقاربه إلى الأجانب فقد أساء وأجزأته؛ لأن تقديم الأقارب من طريق الأولى مع اشتراك الأقارب والأجانب في الاستحقاق، وإن كان البلد كبيرًا واسعًا، فقد اختلف أصحابنا هل يراعى فيه الجوار الخاص والجوار العام؟ على وجهين:
أحدهما: أن المراعى فيه الجوار الخاص، فعلى هذا يكون جيرانه من أضيف إلى مكانه من البلد.
وقيل: إنهم إلى أربعين دار من داره، ولا يكون جميع أهل البلد جيرانه، وهذا قول.
والثاني: أنه يراعى فيه الجوار العام لقوله تعالى: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النساء:36] يعني البعيد، فعلى هذا يكون جميع أهل البلد جيرانه، وهذا هو الظاهر من قول البغداديين، فعلى الوجه الأول: إن فرقها في غير جيرانه من أهل بلده لأن ناقلًا لزكاته عن محلها، وعلى الوجه الثاني لا يكون ناقلًا لها وهو أصح الوجهين.
فصل
وإن كان رب المال بدويًا، فعلى ضربين:
أحدهما: إن يكون في حلة قاطنًا بمكانها لا يظعن عنها شتاء ولا صيفًا فهي كالبلد وجميعها جيران سواء صغرت أو كبرت؛ لأنها لا تبلغ وإن كبرت مبلغ كبار الأمصار فيخص منهم أقاربه، فإن عدل عنهم إلى الأجانب أجزأ، ولا يكون من فارق الحلة جارًا، وإن كان على مسافة أقل من يوم وليلة، ولأن ذلك جار للحلة، والواحد من الحلة جيرانه أهل الحلة، فبان الفرق بينهما.
والثاني: أن يكون في حلة ينجع الكلأ ويظعن الماء والمرعى، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن تكون الحلة مجتمعة لا ينفصل بعضها عن بعض فجميع أهلها جيرانه كبرت أو صغرت.
والثاني: أن تكون متفرقة كتميز كل جماعة منهم عن غيرهم، إما لتميزهم في الأنساب وإما لتميزهم في الأسباب فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يختلفوا في الرحيل والنزول، فيكون جيرانه من الحلة من يرحل برحيله وينزل بنزوله ولا تكون الفرقة التي تخالفه في الرحيل والنزول جيرانًا له.
والثاني: أن يتفقوا في الرحيل والنزول، ففيه وجهان:
(1) أخرجه أحمد (3/ 402) .
(2) أخرجه أحمد (4/ 17) ، والدارمي (1/ 397) ، والبيهقي في"الكبرى" (13222) .