فرع آخر
لو قطعه ثم باعه فليس له مطالبته بالأرش لأنه لم ييأس من الرد لأن المشتري الثاني ربما يرده بالعيب ويرضي البائع الأول باستراده مقطوعًا فلا أرش له، وكذلك لو صبغه ثم باعه لأنه ربما يستردها البائع الأول مصبوغًا ويرد إليه قيمة الصبغ. ووافقنا أبو حنيفة في الثوب المقطوع وخالفنا في المصبوغ، فقال: له المطالبة بالأرش وبناه على أصله في المسألة الأولى للمشتري الامتناع من رده إليه مع أخذ قيمة الصبغ.
مسألة: قال: ولو اختلفا في العيب ومثله يحدث فالقول قول البائع.
إذا اشترى عبدًا فأصابه به عيبًا واتفقا على أنه كان به حين العقد أو بعد العقد قبل القبض كان له رده، وإن اختلفا فقال البائع: حدث بعد القبض فلا رد لك، وقال المشتري: كان به حال القبض فلي الرد فالأصل في هذا أن العيب على ثلاثة أضرب: منها ما لا يحدث مثله، ومنها ما لا يمكن حدوثه [163/ ب] إلا بعد القبض، ومنها ما يحتمل الأمرين، فإن لم يمكن حدوثه بحال كالأصبع الزائدة فالقول قول المشتري بلا يمين، وإن كان مما لا يمكن حدوثه إلا بعد القبض كالشجة الطرية والدم يجري والقبض منذ سنة فالقول قول البائع بلا يمين، وإن كان مما احتمل الأمرين كالجنون والبرص ونحو ذلك فالقول قول البائع لأن معه سلامة العقد والظاهر صحة العقد وانبرامه. فإذا تقرر هذا قال الشافعي:"يحلف بالله لقد باعه بريئًا من هذا العيب". قال المزني: هذا غلط ينبغي أن يحلف لقد أقبضه إياه وما به هذا العيب لأن العيب إذا حدث في يد البائع بعد عقد البيع كان مضمونًا على البائع قلنا: قال صاحب"الإفصاح": إن ادعى عليه أنه باعه وبه هذا العيب، وإن ادعى أنه سلمه إليه، وبه هذا العيب حلفه على حسب الدعوى.
وقال القاضي أبو حامد: وإن ادعى العيب ولم يذكر أنه كان قبل البيع أو بعده وقبل القبض احتاط الحاكم فيحلفه أنه اقبضه وما به هذا العيب، وإن أجاب البائع وقال لا يستحق هذا العيب لأنه قد يشتريه وهو عالم [163 ب/ 6] أنه يبرئه فيه أو يفرط في رده ولا يمكنه أن يظهر ذلك لأنه لو أظهر صار القول قول المشتري أني ما علمت وما رضيت فيتصور به البائع ولا يمكنه أن يحلف أنه لم يكن به هذا العيب عنده لأنه يكون كاذبًا فيه فحلفناه على ماذكرنا، وإن أجاب وقال: لقد بعته بريئًا من هذا العيب وكان دعواه بعته مني معيبًا فإن حلفه على هذا جاز، وهل للحاكم أن يعدل عما أجاب فيحلفه أنه لا يستحق رده عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يحلفه إلا على ما أجاب وهذا ظاهر المذهب، واختاره القفال، والثاني: يحلفه على أنه لا يستحق رده عليه لأنه أحوط وللحاكم أنه يحتاط فيما يحلف عليه وهذا اختيار القاضي الطبري. وإذا قلنا بالوجه الأول قال القفال: فهل للبائع أن يعدل عن هذا الجواب ويحلف أنه لا يستحق الرد علي؟ فيه وجهان: