فصل
فأما فساد العلة فقد يكون من أحد ثمانية أوجه. بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه. فأحدها: التعليل بالاسم وهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون اسمًا مشتقًا من فعل كعاقد وقاتل ووارث فيجوز أن يكون علة.
والثاني: أن يكون اسم لقب فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يعلل تحريم الخمر، لأن العرب سمته خمرًا. فهذا تعليل فاسد، لأنه يبعد أن يكون لتسمية العرب مع تقدمه على الشرع تأثيرًا في تحريم الخمر. والثاني: أن يعلل تحريمه بجنسه ويعبر عن الجنس باسمه فيعلل تحريمه بكونه خمرًا فهذا جائز. لأنه لما جاز التعليل بالصفة جاز التعليل بالجنس فيجوز أن تقول في نجاسة بول ما يؤكل لحمه، لأنه بول فوجب أن يكون نجسًا قياسا على بول الآدمي.
والثاني: اختلاف الموضوع. وهو أن يكون أحد الحكمين مبنيًا على التخفيف، والحكم الآخر مبنيًا على التغليظ فيجمع بينهما بعلة توجب حكمًا آخر. فقد اختلف أصحابنا هل يكون اختلاف موضوعهما مانعًا من صحة الجمع بينهما؛ فقال بعضهم: يكون هذا مفسدًا للعلة مانعًا من صحة الجمع لأن الجمع بينهما يوجب تساوي حكمهما، واختلاف موضوعهما يوجب التفريق بينهما.
وقال آخرون: لا يمنع ذلك من صحة الجمع ولا يوجب فساد العلة لأنه يجوز أن يكون الفرع مساويًا لأصله في حكم وإن خالفه في غيره لأن أحكامهما من كل وجه متعذر.
والوجه الثالث من وجوه الفساد عدم التأثير. وهو أن يضم المعلل إلى أوصاف علته وصفًا لو عدمته العلة في الأصل لم يعدم الحكم. ففسد بذلك أن يكون مجموع تلك الأوصاف علة ووجب إسقاط الوصف الذي لا يؤثر علته في الأصل. لأنه لو جاز أن يجعل من أوصاف العلة ما لا يضر فقده في الحكم إثبات ما لا نهاية له من الأوصاف.
والرابع: الكسر. وهو أن يكون الوصف المزيد في علة الأصل احترازًا من انتقاضها بفرع من الفروع فلا يجوز ضم هذا الوصف إليها وتصير العلة منتقضة على قول جمهور أصحابنا، لأن علة الأصل يجب أن يتقدم العلم بصحتها ثم يجري في فروعها. فإن لم يؤثر وصف منها في فساد العلة وهذا الوجه مؤلف من عدم التأثير والنقض.
والخامس: القلب. وهو أن يعلق بعلة الأصل نقيض حكمها مثاله: أن يعلل الحنفي وجوب الصيام في الاعتكاف بأنه لبث في مكان مخصوص فوجب أن يكون من شرطه اقتران معنى آخر إليه.
أصله الوقوف بعرفة: فنقلب هذا القياس عليه ونقول لأنه لبث في مكان مخصوص فوجب ألا يكون من شرطه الصوم كالوقوف بعرفة فيكون هذا فسادًا للعلة. ولك في هذا المثال أن تمنع العلة.
والسادس: وهو القول بموجب العلة وهو أن تقول أنا أضم إليه معنى آخر وهو النية فيكون هذا قولًا بموجب العلة. وهذا إنما يختص بالحكم إذا كان مجملًا ويصير النزاع