وقال - صلى الله عليه وسلم:"ما أنهر الدم، وفرى الأوداج، فكل"؛ ولأن ما يوجد فيه فعل الذكاة، لم تحرم بترك التسمية كالناس؛ ولأن ما لم يحرم به ذكاة الناس لم تحرم به ذكاة العامد كالأخرس؛ لأن ما لم يكن للذكر شرط في انتهائه لم يكن شرطًا في ابتدائه كالطهارة طردًا والصلاة عكسًا، ولأن ما لم يكن شرطًا في الذكاة مع النسيان، لم يمكن شرطًا فيها مع الذكر كالصلاة على النبي ولأن الحوت يستباح بتاركها كما يحل الصيد بذكاته، فلما لم تكن التسمية شرطًا في استباحة الحوت لم تكن شرطًا في استباحة غيره.
فأما الجواب عن الآية فمن وجهين:
أحدهما: أنه حقيقة الذكر بالقلب؛ لأن ضده النسيان المضاف إلى القلب، فيكون محمولًا على من لم يوجد الله من عبدة الأوثان.
ألا ترى إلى قوله تعالى: {وإنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام:121] والمشركون هم أوليا، الشياطين دون المسلمين.
والثاني: محمول على الميتة؛ لأمرين:
أحدهما: قوله تعالى: {وإنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام:121] وذكاة ما لم يسم عليه لا تكون فسقًا.
والثاني: أن قومًا من المشركين قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: تأكلون ما قتلتموه ولا تأكلون ما قتله الله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وأما الجواب عن الخير من وجهين:
أحدهما: أن نطق الخبر إباحة الأكل مع التسمية، ودليل خطابه متروك عندنا بدليل ومتروك عنده بغير دليل؛ لأنه لا يجعل إثبات الشيء دليلًا على نفي ما عداه.
الثاني: أنه محمول على الاستحباب بدليل ما ذكرناه.
والجواب عما استدل به من ذكاة المجوسي والوثني؛ لأنه ليس من أهل التسمية وهو أنه ليس لهذا المعنى حرم ذكاته، ولكن لتغليظ كفره، ولذلك حرمت مناكحته، وإن لم تكن التسمية شرطًا في النكاح.
وأما صيد السمك فلا يعتبر فيه فعل آدمي، وذلك حل إذا مات بغير سبب وعند أبي حنيفة إذا كان بسبب، فلذلك حكم على عموم الأحوال.
مسألة
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:"ولوْ أرِسل مُسلِمِ ومجوسي كلبيْنِ مُتفرِّقين أوْ طائِريْنِ أوْ سهميْنِ فقتّلا فلا يُؤكِّلُ".