ومن ذلك: {وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا} [1] ، ليس [كثيرًا] [2] فى اللغة، ومن ذلك: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ .. } [3] برفع"الله"، والاستثناء منقطع، ونظائره كثيرة [4] .
سلمنا أن النصب ضعيف، وأن الأكثرين من القراء لا يقرأون في بعض الحروف بما هو قليل في لغة العرب، لكنَّا لا نسلم أن الوجه في العدول عما هو الأكثر في اللغة ما ذكرتم في إرادة العموم [من] [5] أن الله خالق لكل شئ من ذلك أفعال العباد، وإنما الوجه أحد أمور:
الأول: إطلاق اسم الكل على الأكثر للمبالغة في قدرته وإحكام أفعاله، وهو من الفصاحة بمكان، إذ فيه تنزيل الجزء منزلة الكل، ومنه: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ .. } [6] { .. وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ .. } [7] ونظيره: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ .. } [8] ، وهو في القرآن، وفى غيره كثير يفوت الحصر.
الثانى: ما يذكر في إيراد الله تعالى المتشابه ى القرآن نحو: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [9] ومن ذلك أن الله تعالى أراد إبهام الأمر؛ ليكون فيه حث على النظر، وزجر عن التتبع لأدلة السمع فقط؛ إذ هى محتملة للتأويل؛ ولأن فيه زيادة في التكليف والثواب، وهذا الوجه أجاب به بعضهم مستقلًا، وينبغى أن يضم إلى الأول.
الثالث: أنه متى نصب [10] تعلق (بقدر) بـ (خلقنا) ، فأفاد أن التقدير في الخلق نفسه من كونه يبسط الرزق لمن يشاء، ويقدره على من يشاء، وينزل الغيث على من يشاء حسب المصلحة ويشوه صورة، ويحسن أخرى، ويمد قامة، ويقبض أخرى، كل ذلك بقدر وحكمه، ولو رفع لاحتمل أن يكون (بقدر) متعلقًا بـ (خلقنا) ، وهو
(1) نوح: (22) .
(2) (كثيرًا) ، وفى الأصل (كثير) وهو خطأ.
(3) النمل: (65) ،
(4) سيأتى - إن شاء الله تعالى - تفصيل الكلام عن الاستثناء المنقطع في باب الاستثناء
(5) (من) ، وفى الأصل (فى) والصواب ما أثبت.
(6) الأحقاف: (25)
(7) النمل: (23)
(8) البقرة: (2)
(9) طه: (5)
(10) أى:"كل"فى قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر/49)