فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب هو جواب هائي بن قبيصة، في تركنا ديننا واتباعنا دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر، وإنا إنما نزلنا بين صريين: اليمامة والشام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما هذان الصريان ) )؟ فقال: أنهار كسرى ومياه العرب، فأما [ما] كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره مقبول، وأما ما كان من مياه العرب فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول، وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا، ولا نؤوي محدثا، وإني أرى أن هذا الأمر الذي تدعو إليه أنت مما تكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤويك، وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم، وديارهم، وأموالهم ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدسونه؟ ) ).
فقال النعمان بن شريك: اللهم لك ذاك.
فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} ثم نهض النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدي فقال: (( يا أبا بكر، يا أبا حسن، أية أخلاق الجاهلية، ما أشرفها؟! بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض، وبها يتحاجزون فيما بينهم ) ).